Overblog
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
4 février 2012 6 04 /02 /février /2012 09:01

أ‌-     .                           

1-  تحريك دعوى المنافسة غير المشروعة:

   ينبغي التطرق بصدد تحريك دعوى المنافسة إلى مسائل ثلاث: من يحق له رفع دعوى المنافسة غير المشروعة، المحكمة المختصة بالنظر في دعوى المنافسة غير المشروعة، و مضمون القرار القضائي الصادر بصدد دعوى المنافسة غير المشروعة.

أ‌-      المدعي في دعوى المنافسة غير المشروعة: الأصل في الدعوى القضائية عموما أن يرفعها كل ذي مصلحة، و بخصوص دعوى المنافسة غير المشروعة فلا يتصور أن يتضرر من المنافسة غير المشروعة إلا العون الاقتصادي المتضرر، و الذي يهدف قانون المنافسة لحمايته، مثل أن يتعرض لتشويه سمعته من طرف عون اقتصادي منافس، على اعتبار أن تشويه سمعة عون منافس صورة من صور المنافسة غير المشروعة، إلا أنه لا يشترط في هذا الخصوص في المتضرر أن تتوفر فيه صفة التاجر، حيث تكون العبرة ممارسة نشاط اقتصادي مهما كانت طبيعته، فيدخل في هذا الإطار ممارسو المهن الحرفية على الرغم من عدم اكتسابهم صفة التاجر متى ثبت ارتباطهم بالسوق المعني، و تأثرهم اقتصاديا بممارسات العون الاقتصادي المنافس غير المشروعة تنافسيا، غير أنه لا يمكن للأشخاص غير المعنيين بالسوق محل المنافسة رفع دعوى المنافسة غير المشروعة، مثلما هو الشأن بالنسبة لعمال لأجراء العون الاقتصادي المتضرر، و الأمر ذاته بالنسبة لزبائن هذا الأخير، أو المستهلكين بوجه عام.

ب‌- المحكمة المختصة في نظر دعوى المنافسة غير المشروعة: الأصل بالنسبة للاختصاص القضائي بصدد دعوى المنافسة غير المشروعة أن ينعقد لمصلح.ة القسم التجاري بالمحكمة على اعتبار أنها المختصة في نظر المنازعات التجارية حسب نص المادة 531 من قانون الإجراءات المدنيـة و الإدارية، فالغالب على الأعوان الاقتصاديين أن تثبت لهم صفة التاجر، غير أن الاستثناء قد يتحقق في بعض الحالات التي يصح فيها رفع الدعوى من قبل شخص لا يكتسب صفة التاجر، مثل الحرفيين، أو الشركات المدنية، أو أصحاب المهن الحرة، حيث يؤول الاختصاص في هذه الحالة للقسم المدني.

 ت- مضمون القرارات القضائية: يمكن التمييز بصدد طبيعة القرارات القضائية الصادرة عن الجهات القضائية بشأن دعوى المنافسة غير المشروعة بين فئتين من الأحكام: إحداها تكتسي الطابع التعويضي على اعتبار الضرر الذي تكون المنافسة غير المشروعة، و باعتبارها شكلا من المسؤولية التقصيرية، قد سببته للعون الاقتصادي المنافس، كما يمكن للمحكمة المختصة أن تصدر أمرا بالكف عن السلوك الذي ينطوي على منافسة غير مشروعة، لاسيما من خلال إعمال نظام الغرامة التهديدية.

   المطلب الثالث: التطفل التجاري:Parasitisme commercial  

   الفرع الأول: التعريف بالتطفل التجاري:

     يمكن أن يعرف التطفل التجاري بأنه مجموع الممارسات التي يتدخل من خلالها عون اقتصادي في نظام عون آخر، بغرض الحصول على المنافع الاقتصادية التي تحققها المهارات و المعارف المهنية التي استثمر و اجتهد العون الاقتصادي المتطفل عليه لأجل بلورتها و الانتفاع بها، من دون أن يسهم العون الاقتصادي المتطفل في هذا الاستثمار أو المجهود، بشرط ألا تكون هذه المهارات من بين الحقوق المحمية بنصوص قانونية خاصة، مثل براءات الاختراع، و حقوق الملكية الصناعية المسجلة، و من دون أن يكون العون الاقتصادي المتطفل منافسا للعون الاقتصادي المتطفل عليه، و إلى ألحق ذلك بنظام المنافسة غير المشروعة.

   حظر المشرع الجزائري التطفل التجاري بمقتضى المقطع 3 من المادة 27 من قانون القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، و التي جاء فيها من بين الممارسات التجارية غير النزيهة: "استغلال مهارة تقنية أو تجارية مميزة دون ترخيص أو موافقة من صاحبها."

   يأخذ في هذا الشأن التطفل التجاري عدة أشكال، من بينها استعمال علامة تجارية ذات سمعة داخل السوق، ثم اعتمادها بالنسبة لمنتج أو خدمة بالنسبة لسوق آخر، من ذلك ما تم إقراره بالنسبة من قبل قضاء النقض الفرنسي في ما أصبح يعرف بقضية Pontiac، حيث صنعت شركة مختصة في الأدوات الكهرومنزلية ثلاجات أطلقت عليها تسمية Pontiac و التي هي ذاتها التسمية التجارية لنوع من السيارات، و كان الحكم بعدم توافر شروط دعوى المنافسة غير المشروعة، على اعتبار عدم انتماء النشاطين الإنتاجيين للسوق ذاته، و لكن اعتبرت أن شركة المنتجات الكهرومنزلية قد مارست شكلا من التطفل التجاري، مكنها من الحصول على ميزات اقتصادية و تنافسية غير مبررة، لكن من دون إمكانية القول بتحويل عنصر الزبائن، على اعتبار عدم انتماء كلا العونين للسوق ذاته.

   كما يدخل ضمن التطفل التجاري استغلال حملة الإشهار أو حتى الصيغ الإشهارية من طرف أحد الأعوان الاقتصاديين، و اعتمادها في الترويج لمنتجات أو خدمات العون المتطفل، بدون ترخيص أو موافقة من العون الاقتصادي المتضرر.

   الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للمسؤولية عن التطفل التجاري:

   يمكن التمييز بصدد الطبيعة القانونية بين موقفين، يستند أولهما إلى فكرة الإثراء بلا سبب، أما الثاني فيعتقد بأن التطفل التجاري شكل من أشكال المسؤولية التقصيرية.

1-   التطفل التجاري إثراء بلا سبب: يذهب هذا الموقف من الفقه إلى الادعاء بأن التطفل التجاري هو إثراء بلا سبب، على أساس اغتناء الذمة المالية للمتطفل على حساب المتطفل عليه، غير أن هذا الموقف لا يمكن القول بصحته، على أساس عدم تحقق شروطه في حالة التطفل التجاري، إذ أن الإثراء بلا سبب لا يتحقق إلا بالنسبة للشخص حسن النية، و هو الأمر المستبعد بالنسبة للمتطفل، كما أن من شروط الإثراء بلا سبب وفقا للنظرية العامة، و مثلما هو وارد بالنسبة للقانون المدني الجزائري بمقتضى المادة 141 إغتناء للذمة المالية لأحد الطرفين، و إفقارا لذمة الطرف الآخر، و هو ما ليس ثابتا لزوما بالنسبة للتطفل التجاري، حيث لا يشترط تأثيره على الذمة المالية لأي من الطرفين حتى يثبت باعتباره ممارسة تجارية غير نزيهة، بغض النظر عن آثاره المالية، أو على الأقل آثاره المالية بالنسبة للمتطفل عليه.

2-   التطفل التجاري شكل من المسؤولية التقصيرية: يعتقد هذا الرأي بأن التطفل التجاري ما هو إلا تطبيق لأحكام المسؤولية التقصيرية، لاسيما و أنه لا يتحقق إلا باستيفاء جميع شروطها، و الظاهر أن هذا التبرير للمسؤولية عن التطفل التجاري هو الأقرب للصحة، حتى و إن كان من اللازم تكييفه مع الطبيعة الخاصة للممارسات التجارية عموما، و العلاقات التنافسية بين الأعوان الاقتصاديين على الأخص.

   الفرع الثالث: شروط تحقق المسؤولية عن التطفل التجاري:

   يشترط لتحقق المسؤولية عن التطفل التجاري ما يشترط بالنسبة لتحقق المسؤولية التقصيرية عموما، و على هذا الأساس يمكن التمييز في هذا الصدد بين ثلاث شروط:

1-   الخطأ: يتمثل الخطأ المستخلص من التطفل التجاري في التحويل غير المبرر لاستثمارات العون الاقتصادي المتضرر دون أن يكون هذا التحويل مبررا، لاسيما بالاتفاق أو القانون، و ذلك بغض النظر عن النية في الإضرار من جانب العون الاقتصادي المتطفل، على اعتبار أن التمتع بمجهودات الغير يشكل في حد ذاته خطا، و أن مقتضيات الأعراف و الممارسات التجارية النزيهة تقتضي أن تكون السمعة التجارية محصلة الاستثمارات المبذولة في سبيل ذلك، و ليس بالاستفادة غير المبررة من استثمارات و مجهودات الغير.

2-   الضرر: لا يمكننا الحديث بالنسبة للتطفل التجاري عن تحويل الزبائن باعتباره ضرر محتمل بالنسبة لهذا النوع من الممارسات، على اعتبار أن العونين الاقتصاديين المعنيين ليسا متنافسين، و إلا كنا أمام وضعية منافسة غير مشروعة و ليس تطفلا تجاريا، إلا أنه يمكن أن يكون الضرر الحاصل بالنسبة للعون الاقتصادي المتطفل عليه هو المساس بالمكانة التجارية للعلامة محل التطفل، مثلما أشارت إليه محكمة النقض الفرنسية في قرار يتعلق باستعمال أوشحة من علامة ذات سمعة تجارية معتبرة كجوائز يانصيب، مما عد تطفلا تجاريا مسيئا للعلامة محل التطفل، كما أن هذا الموقف من المحكمة الفرنسية لا يلغي احتمال أن يكون الضرر ماديا صرفا، لاسيما و أن الغالب في استعمال العلامة التجارية من قبل الغير أن يكون بمقابل.

3-   علاقة السببية: إن العلاقة السببية بين الخطأ من جانب المتطفل و الضرر الحاصل للعون المتطفل عليه يخضع عموما إلى الأحكام العامة، لاسيما بالنسبة لافتراضها عند تزامن الخطأ والضرر، و نفيها بالكيفيات ذاتها المقررة بالنسبة للنظرية العامة، حتى و إن أمكن إبراز خصوصية التطفل التجاري بالنسبة للأحكام العامة بالنظر لطبيعة عالم الأعمال، لاسيما فيما يتعلق بالأضرار غير المادية، مثل المساس بمكانة العلامة التجارية داخل السوق، حيث ينبغي في هذا الشأن التثبت من أن هذا المساس مرده الأعمال التطفلية، وليس اعتبارات أخرى مثل اهتزاز مكانة العلامة التجارية لاعتبارات مرتبطة بانتقاص في درجة جودة الخدمة أو المنتج، أو التقليل من العمليات الترويجية، أو حتى عدم مجاراة نسق التطور داخل السوق بالمقارنة مع الأعوان المنافسين الآخرين.

   المبحث الثاني: الأحكام الخاصة بحماية السوق:

   تعد حماية الاقتصاد بشكل عام من أهم أهداف اعتماد قانون المنافسة، من حيث التمكين لضمان ظروف تنافسية حقيقية بين الأعوان الاقتصاديين، و هو الهدف الذي يتحقق من خلال الأحكام التي تبناها المشرع الجزائري على غرار ما هو موجود في التشريعات ا لمقارنة، و التي تقوم على حظر الممارسات المقيدة للمنافسة، على خلاف ما ترمي إليه أحكام حماية المؤسسة، من حيث كونها وسائل حماية المتنافس داخل سوق الخدمة أو السلعة، و لا تتحقق حماية السوق إلا باعتماد جملة من الإجراءات يمكن تحديدها كما يلي:

-        مراقبة التجميعات الاقتصادية،

-        حظر الاتفاقات فيما بين المؤسسات المتنافسة،

-        حظر وضعيات الهيمنة الاقتصادية،

-        حظر خفض الأسعار لأقل من سعر التكلفة.

    المطلب الأول: حظر التجميعات الاقتصادية:  

    يقتضي بيان التجميعات الاقتصادية باعتبارها شكلا من المساس بحرية المنافسة توضيح مفهومها، ثم آليات الرقابة عليها وفق ما هو وارد في القانون الجزائري.

   الفرع الأول: مفهوم التجميعات الاقتصادية: نتناول في هذا الخصوص التعريف بالتجميعات الاقتصادية ثم بيان أشكالها.

1-  التعريف بالتجميعات الاقتصادية: تعرف التجميعات الاقتصادية بأنها كل إجراء يؤدي إلى تحويل حق ملكية أو التمتع بكيان اقتصادي لمصلحة كيان اقتصادي آخر بشكل كلي أو جزئي، أو تشكيل كيان اقتصادي جديد، بما من شأنه المساس بهيكلة السوق، من خلال التقليل من عدد الأعوان الاقتصاديين المتواجدين داخل سوق الخدمة أو السلعة محل التنافس.

2-  أشكال التجميعات الاقتصادية: يمكن أن تأخذ التجميعات الاقتصادية أشكالا ثلاث أوردتها المادة 15 من الأمر 03/03:

أ‌-     الاندماج: Fusion-absorption: و تتحقق هذه الحالة بالنسبة لتشكيل مؤسستين مستقلتين أو أكثر شخصا قانونيا واحدا، بما يلغي الشخص القانوني المنحل داخل الشخص القانوني الآخر، و يقلل بذلك من عدد الأعوان الاقتصاديين داخل السوق.

ب‌-  السيطرة: Prise de contrôle: تتحقق هذه الحالة في الوضع الذي يتمكن فيها عون اقتصادي من الحصول على غالبية الأسهم أو الحصص داخل الشركة، بما يمكنه مقابل ذلك من السيطرة على أجهزة العون الاقتصادي المنافس من الآخر، الذي يصبح في هذه الحالة مجرد فرع من فروعه.

ت‌-  تشكيل كيان اقتصادي جديد: يتحقق في الوضع الذي يجتمع فيه عونين اقتصاديين أو أكثر لأجل تشكيل شخص قانوني جديد مع انحلال الأعوان الاقتصاديين المشكلين له.

      الفرع الثاني: آليات الرقابة على التجميعات الاقتصادية: تتحقق الرقابة على عمليات التجميع الاقتصادي من   خلال مجلس المنافسة حسب نص المادة 17 من الأمر 03/03، الذي يملك سلطة البت في مدى مساس التجميع بحرية المنافسة لاسيما في الوضع الذي يتجاوز فيه الحجم المفترض لعملية التجميع 40 من المائة من الحجم الإجمالي للمبيعات و المشتريات المنجزة في سوق معينة حسبما ورد في المادة 18 من الأمر سالف الذكر، إذ تتحقق رقابة هذا الجهاز لعمليات التجميع من خلال الرقابة السابقة على عمليات التجميع حسب الشروط الواردة في المرسوم التنفيذي 05/219 المتعلق بالترخيص لعمليات التجميع، لاسيما تقديم طلب الترخيص مكتوبا من قبل المؤسسات أو الأشخاص المعنيين بالتجميع الاقتصادي .

المطلب الثاني: حظر الاتفاقات فيما بين الأعوان الاقتصاديين: Interdiction des ententes entre entreprises

   يجدر بنا بصدد بيان مسألة حظر الاتفاقات فيما بين الأعوان الاقتصاديين توضيح مدلولها، ثم بيان أشكالها.

      الفرع الأول: التعريف بالاتفاقات بين الأعوان الاقتصاديين: ينحصر القصد من الاتفاقات المحظورة االناشئة عن متعاملين اقتصاديين، و التي تأخذ شكل ممارسات و أعمال و اتفاقات و اتفاقيات سواء صريحة أو ضمنية، تكون غايتها أو نتيجتها التقييد من حرية الدخول إلى السوق المعني بالمنافسة، بما يعني الإبقاء على وضعية معينة لهيكلة السوق، من خلال اقتسامه كليا أو الاستئثار بجزء مهم منه فيما بين أعوان محددين، بما يشكل إحدى صور التقييد من المنافسة الحرة.

        ما يميز الاتفاقات بالنسبة لقانــون المنافســة عن الوضع بالنسبة للعقـد في القانــون المدني هو الاعتداد باتجـاه الإرادة لإحداث أثــر قانوني في القانـون المدني، على خلاف الأمـر بالنسبة لقانـون المنافســة، حيث يعتد في هذه    الحالة -إضافة إلى اتجاه الاتفاق نحو عرقلة السوق- بأثر الاتفاق على السوق حتى و إن لم تتجه إرادة الاتفاق الأعوان الاقتصاديين إلى عرقلته، إذ أن العبرة هو أثر الاتفاق على السوق بغض النظر عن نية الأطراف المتوافقة،    و هذا ما يفهم من نص المادة 6 من الأمر 03/03 في فقرتها الأولى، و التي جاء فيها: "تحظر الممارسات و الأعمال المدبرة و الاتفاقيات و الاتفاقات الصريحة أو الضمنية، عندما تهدف أو يمكن أن تهدف إلى عرقلة حرية المنافسة أو الحد منها أو الإخلال بها في نفس السوق، أو في جزء مهم منه..."

       الفرع الثاني: أشكال الاتفاقات بين الأعوان الاقتصاديين: تتحقق الاتفاقات بالمفهوم المحدد أعلاه من خلال جملة من الممارسات يمكن لنا حصرها فيما يلي:

1-  الاتفاقات التعاقدية: Ententes contractuelles: تأخذ الاتفاقات في هذا الوضع شكل العقود بالمفهوم المدني، و يمكن في هذا الصدد التمييز بين الأشكال التالية للاتفاقات:

أ‌-   الاتفاقات الأفقية: يقصد بها الاتفاقات المنعقدة بين المؤسسات المتنافسة الموجودة في المستوى ذاته داخل السوق، و تكون الغاية منها التأثير على حرية المنافسة، و يدخل في هذا الإطار الاتفاقات المبرمة بصدد تحديد سعر السلع أو الخدمات مثلما هو وارد في نص المادة 6 من قانون 03/03 من ضمن حالات الممارسات المقيدة للمنافسة، و لا يهم أن يتم هذا التحديد بشكل صريح أو بشكل ضمني، كأن يتم من خلال طلب أحد الأعوان الاقتصاديين من عون اقتصادي تمكينه من سلم التسعير، أو سلم التخفيضات الممنوحة للعملاء، حتى و إن لم يشر في طلبه إلى نيته فين تسوية أسعاره بأسعار المؤسسة المنافسة

ب‌- الاتفاقات العمودية: يقصد بها الاتفاقات المنعقدة بين أعوان اقتصاديين لا يوجدون في المستوى ذاته من السوق، مثلما هو الوضع بالنسبة للمنتج و الموزع، و المقاول من الباطن و المقاول الرئيسي، و من أمثلة الاتفاقات العمودية المتعارضة مع مقتضيات حرية المنافسة التزام الموزع بالسعر المحدد من قبل المنتج و لو تم ذلك من خلال تعليمات و توصيات، أو حتى خصومات في حال احترام الموزع الثمن المحدد من قبل المنتج.  

2- الاتفاقات العضوية: تأخذ الاتفاقات في هذا الوضع شكلا أكثر تنظيما و تعقيدا، بحيث تشكل المؤسسات المتنافسة كيانا مستقلا ذا شخصية معنوية، مثل تأسيس المؤسسات المتنافسة شركة غرضها الاجتماعي تركيز الطلبيات  لدى جهة واحدة، و بما يتيح لها ممارسة سياسات تسعير متطابقة تفقد السوق تنافسيته، وفق ما هو معروف بمركزيات البيع، و هو الأمر الذي ينطبق حتى على الأشخاص القانونية غير المكتسبة لصفة التاجر مثل النقابات و المؤسسات الحرفية إذا ما قامت بأعمال من شأنها التأثير على السوق.

3-الأعمال المدبرة: Activités concertées يقصد بالأعمال المدبرة الوضعيات التي يمتنع بمقتضاها الأعوان الاقتصاديون الموجودون في سوق واحدة عن التنافس، دون أن يتقرر ذلك بمقتضى اتفاقيات و عقود ملزمة، و إنما تظهر الأعمال المدبرة من خلال وقائع مثل اعتماد أسعار متطابقة، أو اعتماد ترفيعات متوازية في التسعير، كما قد تتحقق الأعمال المدبرة من خلال امتناع كل عون اقتصادي عن الاستثمار في منطقة معينة من السوق و امتناع عون آخر عن الاستثمار في منطقة أخرى بما يوحي بعملية اقتسام للسوق تتعارض مع ما اقتضاه المشرع الجزائري من حظر في هذا الشأن، حسب ما هو وارد في نص المادة 6 المقطع الثالث، و كل هذه الأوضاع من شأنها عرقلة حرية المنافسة.

من جانب آخر تطرح مسألة الأعمال المدبرة إشكالية إثبات، لاسيما و أنها لا تتحقق بمقتضى اتفاقيات بين الأعوان الاقتصاديين المتنافسين، و إنما مجرد وقائع قد تؤدي معاينتها إلى استخلاص وجود عمل مدبر، لاسيما و إن ترتبت عليها آثار على السوق المعني، و في هذا الشأن ذهبمجلس المنافسة الفرنسي إلى أن توازي سلوك الأعوان الاقتصاديين المتنافسين في رفع الأسعار بنسب متساوية على مدار سنوات، ثم الإعلان عن هذه الزيادات قبل سريانها من شأنه أن يثبت عملا مدبرا من جانب هؤلاء الأعوان، حيث أن هذا التصرف يوحي بأن المؤسسة لا تخشى فقدان عملاءها جراء الإعلان المبكر عن رفع الأسعار، و اطمئنانها إلى أن الأعوان آخرين سيقومون بالأمر ذاته.

المطلب الثالث: حظر التعسف في الهيمنة الاقتصادية:

يجدر بنا قبل التطرق للتعسف في استعمال الهيمنة الاقتصادية توضيح فكرة الهيمنة الاقتصادية.

الفرع الأول: الهيمنة الاقتصادية:

أ‌-   التعريف بالهيمنة الاقتصادية:

       يقصد بالهيمنة الاقتصادية الوضعية التي يهيمن فيها عون اقتصادي على غيره من الأعوان الاقتصاديين داخل السوق بشكل مطلق أو شبه مطلق، و هي الوضعية التي قد تؤدي إلى عرقلة لعبة المنافسة داخل السوق حسب ما يؤكده المشرع الجزائري من خلال المادة الثالثة/ج من قانون 03/03، و عليه فإن الهيمنة الاقتصادية تختلف عن التبعية الاقتصادية من حيث مجال الهيمنة، حيث أن التبعية الاقتصادية تتحقق بالنظر لارتباط عون اقتصادي في أعماله و نتائجه بعون اقتصادي آخر حسبما يفهم من نص المادة الثالثة/د من قانون 03/03، بحيث لا يكون للعون الاقتصادي التابع حل بديل إذا ما رفض العون الاقتصادي المتبوع التعاقد معه، أما الهيمنة الاقتصادية فهي ارتباط كل أو معظم الأعوان الاقتصاديين داخل السوق بالعضو المهيمن.

       كما تختلف وضعية الهيمنة الاقتصادية عن وضعية الاحتكار أو شبه الاحتكار، من حيث توافر قدر من المنافسة بالنسبة لحالة الهيمنة الاقتصادية، غير أن القدرة الاقتصادية للعون الاقتصادي المهيمن تمكنه من تجاوز آثارها، و بالتالي لا يكون العضو المهيمن اقتصاديا معنيا لعبة المنافسة، و هو الوضع الذي عبرت عنه محكمة العدل الأوروبية في قضية united brands لسنة 1978: "وضعية الهيمنة الاقتصادية هي وضعية القوة الاقتصادية التي تمنح العون الاقتصادي القدرة على عرقلة الإبقاء على المنافسة الحقيقية داخل السوق المعني، بما يعطيه استقلالية التصرف قبل منافسيه، ممونيه، و قبل المستهلكين."

ب‌-  إثبات وضعية الهيمنة الاقتصادية: يعتمد على الأغلب في إثبات وضعية الهيمنة الاقتصادية على معيارين: أحدهما يمكن اعتباره رئيسيا يتمثل في نسبة الهيمنة على السوق، و الثاني ثانويا يتحدد نسبيا بالنظر لتفوق العون الاقتصادي على غيره من الأعوان من حيث نصيبه في  السوق، حتى و إن كان الفصل في ثبوت الهيمنة الاقتصادية لا يمكن أن يتحقق باعتماد معايير جامدة، بالنظر إلى التغيرات التي تشهدها الأسواق،و مرونة عالم الأعمال.

1-  المعيار الرئيسي: نسبة الهيمنة على السوق: تتحقق الهيمنة الاقتصادية أساسا في الوضع الذي يتحكم فيه عون اقتصادي واحد على نسبة مهمة من السوق المرجعي للسلعة أو الخدمة، حتى و إن كان من غير المتيسر دائما  تحديد مجال السوق المرجعي، بالنظر لعدم إمكانية الاستقرار على مفهوم واضح له، لكن يمكن استخلاص أهم عناصره، المتمثلة على الأخص في المجال الجغرافي، السلعة أو الخدمة المتميزة بقابلية الحلول، أو كما وصفها المشرع الجزائري بالأصناف المتجانسة، و عنصر الزبائن و العملاء المحدد لنوعية الطلب.

2-  المعيار الثانوي: الانفراد بالهيمنة على السوق المرجعي: مفاد هذا المعيار انفراد العون الاقتصادي بالهيمنة الاقتصادية، بحيث لا يزاحم داخل السوق بعون مكافئ له في القدرة الاقتصادية، بحيث تتحقق المنافسة فيما بين هذين العونين، إلا أنه لا ينبغي الخلط في هذه الحالة بين وجود أكثر من عون اقتصادي يمتلك نسبة كبيرة من السوق، حيث لا تتأثر المنافسة في هذا الفرض لتكافؤ العونين في القوة الاقتصادية، و الوضع الذي تتحقق فيه الهيمن الجماعية Domination collective حيث يعقد عونان اقتصاديان أو أكثر عقودا أو اتفاقات مدبرة بهدف الهيمنة على السوق.

    

   الفرع الثاني: التعسف في استعمال الهيمنة الاقتصادية: لم يورد المشرع بيان تعريف التعسف في استعمال الهيمنة الاقتصادية، إلا أنه أورد في بعضا من تطبيقاتها بمقتضى المادة 07 من الأمر 03/03، و يمكن إجمالا التمييز في هذا الصدد بين فئتين من الأعمال يمكن أن تكيف على أنها تشكل هيممنة اقتصادية:

  1. 1.     على مستوى العلاقة المباشرة مع الأعوان المتنافسين: حيث يتصرف العون الاقتصادي المهيمن على السوق على خلاف مقتضيات الحرية التنافسية، و من بين هذه التصرفات تطبيق شروط غير متكافئة لنفس الخدمات تجاه الشركاء التجاريين، و إخضاع إبرام العقود مع الشركاء لقبولهم خدمات إضافية ليس لها صلة بموضوع هذه العقود، سواء بحسب طبيعتها، أو حسب الأعراف التجارية، و رفض البيع بدون عذر قانوني.
  2. 2.     على مستوى هيكلة السوق: يتحقق الاستعمال التعسفي للهيمنة الاقتصادية في الوضع الذي تتأثر سلبا هيكلة السوق جراء الأعمال و التصرفات التي يقوم بها العون الاقتصادي المهيمن، مثل إبرام عقود التموين الحصري مع العملاء بما يؤدي إلى الحد من الدخول في السوق أو في ممارسة النشاطات التجارية، أو اقتسام الأسواق و مصادر التموين، و كذلك ممارسة سياسة تخفيض الأسعار لا تعكس حقيقتهم السوق، لأجل الدفع باللأعوان الاقتصاديين إلى الانسحاب من السوق لعدم قدرتهم  المالية على مجاراة نسق التخفيض.

المطلب الرابع: التعسف في استعمال التبعية الاقتصادية: (م 11 ق 03/03، م18 ق 04/02)

   عرف المشرع الجزائري التبعية الاقتصادية من خلال نص المادة 3 المقطع د من الأمر 03/03 على أنها: "العلاقة التجارية التي لا يكون فيها لمؤسسة ما حل بديل مقارن إذا أرادت رفض التعاقد بالشروط التي تفرضها عليها مؤسسة أخرى سواء كانت زبونا أو ممونا." و مرد التبعية الاقتصادية هو القوة الاقتصادية للعون الاقتصادي المتبوع بالمقارنة مع العون الاقتصادي التابع، هذه القوة التي تمكنه من امتلاك قوة تفاوضية تمكنه في نهاية الأمر من فرض اشتراطاته التعاقدية على الطرف الآخر، لكن ينبغي التنويه إلى أن ما يقع محل الحظر ليس التبعية الاقتصادية في حد ذاتها، و إنما استغلالها في تحصيل مزايا تعاقدية -و من ثم تنافسية- غير مبررة، و عليه فإن الحظر لا يقع إلى بتحقق وضعية التبعية الاقتصادية، ثم التعسف في استغلالها.

الفرع الأول: وضعية التبعية الاقتصادية: تتحقق وضعية التبعية الاقتصادية عموما في احتمالين:

  1. 1.     التبعية للعلامة التجارية: يقصد بها الوضعية التي يرتبط فيها نشاط العون الاقتصادي بشكل كامل أو شبه كامل بعلامة تجارية واحدة، و تتحقق هذه الحالة عموما في التعاقدات المتضمنة شرط الحصرية contrats avec clauses d’exclusivité، مثلما هو شائع بالنسبة لعقد الامتياز  التجاري Contrat de concession commerciale، و عقد التوزيع بترخيص باستعمال العلامة التجارية Contrat de  franchise و عقود التمثيل التجاري عموما Contart de représentation commerciale. حيث لا يمكن حيث يكون الممثل التجاري في وضع تعاقدي أضعف واقعيا قبل الطرف الآخر مصدره عدم القدرة على الاستمرار في النشاط التجاري دون الارتباط بالعلامة التجارية محل العقد.
  2. 2.     التبعية في التوزيع: يأخذ هذا الوضع صورة عكسية، حيث يكون المنتج الممون في وضع اقتصادي ضعيف بالنظر إلى ارتباطه بالموزع، و حاجته إلى قنوات تصريف فعالة لمنتجاته، و تتحقق هذه الحالة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة و المتوسطة في علاقاتها التعاقدية مع الفضاءات التجارية الكبرى التي تضمن بالنسبة للمنتج تصريف نسبة كبيرة من منتجاته، بما يعني أن استمراره في نشاطه الاقتصادي مرهون باستمرار تعاقداته مع هذه الشركات.

الفرع الثاني: الاستعمال التعسفي للتبعية الاقتصادية: م 11 ق 03/03 م 18 ق04/02

أوردت المادة 11 ق 03/03 الحالات التي تقع فيها الممارسة تحت طائلة الحظر المبرر بالتعسف في استغلال التبعية الاقتصادية، و تتمثل هذه الحالات على الخصوص في:

-        رفض البيع بدون مبرر شرعي

-        البيع المتلازم او التمييزي

-        البيع المشروط باقتناء كمية دنيا

-        الإلزام بإعادة البيع بسعر أدنى

-        قطع العلاقة التجارية لمجرد رفض المتعامل الخضوع لشروط تجارية غير مبررة

-        كل عمل آخر من شأنه أن يقلل أو يلغي منافع المنافسة داخل السوق.

و أضافت المادة 18 من ق 04/02 إلى هذه الحالات ممارسة عون الاقتصادي نفوذا على عون اقتصادي آخر أو الحصول منه على أ أو آجال دفع أو شروط بيع أو على شراء تمييزي لا يبرره مقابل حقيقي يتلا ءم مع ما تقتضيه المعاملات التجارية النزيهة و الشريفة.

    الواضح أن المشرع الجزائري قد أورد الحالات السابقة على وجه الاستئناس، بمعنى إمكان استخلاص حالات أخرى يمكن اعتبارها من قبيل الاستعمال التعسفي لوضعية التبعية الاقتصادية، كما أن هذا الاستعمال يخضع لرقابة القضاء باعتياره واقعة قاننية.

المطلب الخامس: حظر الأسعار المخفضة بشكل تعسفي (م 12 ق 03/03 و م 19 ق 04/02)

      أقر المشرع الجزائري من خلال نص المادة 12 من قانون 03/03 ممارسة العون الاقتصادي أسعارا مخفضة بشكل تعسفي، و قد وضع لأجل اعتبار السعر مخفضا بشكل تعسفي معيارا موضوعيا متمثلا في سعر التكلفة بما يتضمن الإنتاج و التحويل و التسويق، و يضيف المشرع ضمن سعر التكلفة بمقتضى المادة 19 من قانون 04/02: "...الحقوق و الرسوم و اعباء النقل..." لكن مع ذلك ينبغي التنبيه إلى أن المقصود بالحظر هو تعميم استعمال الأسعار المخفضة باعتبارها سياسة تجارية ينتهجها العون الاقتصادي، و ليس مجرد الممارسات المنفردة المفتقدة للتعميم، إذ أن ثبوت هذه الممارسة لمدة محدودة أو فيما يتعلق بسلعة أو خدمة واحدة لا يقع بالضرورة تحت الحظر، على اعتبار أن مثل هذه الممارسات المنعزلة ليس من شأنها التأثير على السوق، حتى و إن عدت الأسعار المخفضة بالنسبة لسلعة واحدة بمثابة سعر إغرائي، أو ما يعبر عنه في الأنظمة المقارنة Prix d’appel و الذي يمكن اعتباره شكلا من المنافسة غير المشروعة، لكن ليس من الثابت القول بأنه خرق لحرية المنافسة، على اعتبار محدودية أثره في السوق.

 

الفصل الرابع: مجلس المنافسة.

 

 

Partager cet article
Repost0
14 janvier 2012 6 14 /01 /janvier /2012 19:53

الفصل التمهيدي: مقدمة عامة

المبحث الأول: نشأة قانون العمل و تطوره

      يعتبر قانون العمل من القوانين الحديثة، بحيث تأخر ظهوره إلى منتصف القرن التاسع عشر، و كان لهذا التأخر أسباب حالت دون ظهوره في العصرين القديم و الوسيط، و على هذا الأساس نتناول بالدراسة بيان أسباب تأخر نشوء قانون العمل في العصرين القديم و الوسيط، ثم إلى عوامل ظهوره في العصر الحديث.

المطلب الأول: أسباب تأخر نشوء قانون العمل

     اقترن ظهور العمل باعتباره المجهود المبذول بظهور الإنسان، إلا أن العمل باعتباره علاقة قانونية تربط بين العامل و رب العمل قد تأخر ظهوره إلى منتصف القرن التاسع عشر، و مرد هذا التأخر العديد من الأسباب يمكن حصرها في:

الفرع الأول: انتشار ظاهرة الرق في العصور القديمة:

     حال انتشار ظاهرة الرق في العصور القديمة في ظهور قانون العمل، حيث لم يعترف للعبيد بالشخصية القانونية التي تمكنهم من اكتساب الحقوق و تحمل الالتزامات، و اعتبروا من قبيل الأشياء التي تعتمد عليها الاقتصاديات القديمة، و بالتالي لم يظهر قانون يضمن لهذه الفئة حقوقها، عديمة الإرادة المعتد بها قانونا، لمصلحة إرادة الأسياد المطلقة في مواجهة هؤلاء العبيد.

الفرع الثاني: سيادة نظام الإقطاع في القرون الوسطى:

     حال ظهور نظام الإقطاع في القرون الوسطى بأوروبا دون ظهر قانون للعمل، حيث اعتبر عمال صاحب الأرض الإقطاعي جزء من الأرض التي يملكها، فلم تكن متاحة لهم حرية العمل أو حرية تركه، و كان الأقنان أو عبيد الأرض ملزمون بعدم مغادرة أرض سيدهم إلا بموافقته تحت طائلة إقامتهم فيها مدى الحياة، و كانوا ملزمين بدفع ضرائب و إتاوات، بعضها إلى الدولة، و البعض الآخر إلى سيدهم مقابل استغلالهم لجزء من هذه الأرض لصالحهم.

الفرع الثالث: نظام الطوائف الحرفية في القرون الوسطى:

      ينصرف معنى الطوائف الحرفية إلى تكوين الصناعيين أو الحرفيين طائفة فيما بينهم، تشكل نوعا من النظام على أساس من التدرج الطبقي، الذي يوجد على قمته المعلم، ثم العامل، ثم العامل المتمرن، و يقوم العاملون بانتخاب شيخ الطائفة الذي يملك وحده الحق في قبول احتراف أي شخص مهنة معينة، أو أن يصبح فيها معلما، و قد كانت كل طائفة تستقل بوضع نظام يحكم شؤون الصناعة التي تمثلها، و قواعد الارتقاء في درجات الطائفة، و كل ما يتعلق بالأجور، و أوقات العمل و العطل و الإجازات، و على هذا فإن علاقات العمل كانت منظمة تنظيما داخليا، و ليس قانونيا، إذ تستأثر كل طائفة بوضع نظام قانون خاص بالمهنة التي تمثلها.

      إن ما يعتبر بمثابة القاعدة في عدم ظهور أي تنظيم قانوني لعلاقات العمل قبل القرن التاسع عشر، يرد عليه بعض من الاستثناءات التي عرفتها البشرية خلا تطورها، إذ أن التاريخ يحتفظ لحمورابي في الدولة البابلية تضمن قوانينه بعض الأحكام التي يمكن اعتبارها قواعد قانونية عمالية، من ذلك تحديده أجور مختلف الفئات الحرفية مثل البنائين، و النجارين.

المطلب الثاني: بداية ظهور قانون العمل و تطوره:

      ارتبط ظهور تشريعات العمل في العالم بدء من أواسط القرن التاسع عشر حتى القرن العشرين بجملة من الأسباب تهيأت لتنشئ هذا الفرع من القانون، و يمكن رد هذه الأسباب إلى ما يلي:

الفرع الأول: مبادئ الثورة الفرنسية:

     من بين أهم المبادئ التي دعت إليها الثورة الفرنسية و التي انتشرت منها إلى كامل الدول الأوروبية بالخصوص مبادئ الحرية و المساواة و الحقوق الطبيعية، و قد وجدت هذه المبادئ تطبيقاتها في مجال قانون العمل على غرار فروع القانون الأخرى، فتم على هذا الأساس مبدأ "حرية العمل" المرتكز أساسا مبدأ سلطان الإرادة و حرية التصرفات القانونية و التعاقدية، و على هذا فقد نص ما يعرف بمرسوم آلارد Décret d'Allard الصادر في مارس 1791 على أن: "يكون كل شخص حرا في أن يمارس المهنة أو الصنعة أو الوظيفة التي يراها مناسبة له."، كما قضى قانون شابوليي Loi Chapelierلشهر جوا ن1791 بأن هلا يجوز للعمال أن يسنوا لوائح بشأن مصالحهم المشتركة المزعومة...و إذا أبرم مواطنون فيما بينهم اتفاقات تقتضي دفع الغير لثمن لقاء التحاقهم بصنعتهم كانت هذه الاتفاقات غير دستورية."، أما فيما يتعلق بنظام الإقطاع فقد قضت الجمعية الوطنية بمقتضى قانون 4 أوت 1789 بتخليص ملكية الأرض من جميع الامتيازات التي كانت ثابتة للإقطاعيين، و جعلها ملكية خالصة للتابع الذي يحوز الأرض، مع التزامه بدفع مبالغ محددة لصاحب الملكية الأصلية.

      غير أن مبدأ سلطان الإرادة و حرية التعاقد قد أظهر محدودية آثاره الإيجابية بالنسبة للعامل الذي غالبا ما يكون الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية تحت ضغط الحاجة للأجر، مما يدفعه للقبول بالاشتراطات التعاقدية التي تكون على الأغلب في مصلحة رب العمل لاسيما من حيث تحديد الأجر، و ساعات العمل، و العطل، و شروط الأمن و السلامة داخل مقرات العمل، مما أدى بالدول إلى أن تعمد إلى التخلي عن دورها الحمائي في سبيل تبني دور المتدخل في الاقتصاد.

  الفرع الثاني: تطور وظيفة الدولة:

      انعكس تطبيق مبدأ سلطان الإرادة بالسلب على واقع العمال الاجتماعي، مما أدى إلى تصاعد الدعوات إلى ضرورة تخلي الدولة عن دورها الحارس للاقتصاد المكتفي بحماية الحريات العامة، بما فيها حرية العمل و المقاولة، و تبني دور أكثر إيجابية من خلا التدخل لضبط النظام الاجتماعي، و توفير أدنى حد من مستوى المعيشة و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، و هذا ما نادت به مدرسة التضامن الاجتماعي في فرنسا، من حيث تأمين العمال ضد الأخطار المهنية، و ضرورة تدخل الدولة لمساعدة العاجزين و العاطلين، و وضع تشريع خاص للتعويض عن حوادث العمل و التأمينات الاجتماعية، كما انضم إلى هذه الدعوات رجال الاقتصاد الذين بدؤوا يطالبون الدولة بالتدخل لأجل ضمان الرخاء المادي، و ألا تكتفي بالاهتمام بخلق الثروة، و ذلك بفرض ضمان أجر أدنى مناسب، و الخفض من سعر الفائدة الذي يمكن من الرفع من وتيرة الاستثمار، الذي يمكن بالتبعية من توفير فرص الشغل.

      أدت الانعكاسات السلبية لتطبيق مبدأ سلطان الإرادة، و دعوات المفكرين إلى ظهور حركة تشريعية متسارعة في مجال قانون العمل خلال القرن العشرين، و تأكد تحول دور الدولة من حماية الحرية التعاقدية و حرية المقاولة، إلى دور يهدف لتوجيه الاقتصاد نحو دعم المراكز القانونية للعمال، و بسط حماية القانون عليهم، و قد ظهرت بوادر هذا التدخل في فرنسا من خلال قانون 21 مارس 1884 الذي يقر حرية العمال و أصحاب العمل في تشكيل التجمعات المهنية و النقابات، كما صدر قانون 13 جويلية 1906 الذي حدد فترة الراحة الأسبوعية، كما سن قانون 9 أفريل 1898 الذي يلزم أصحاب العمل بضمان و حماية العمال ضد حوادث العمل، و قانون التقاعد الصادر سنة 1910.

المبحث الثاني: نشأة و تطور قانون العمل في الجزائر:

      اقترن تطور تشريع العمل في الجزائر بتغير الخيارات السياسية و الاقتصادية التي اعتمدتها البلاد منذ الاستقلال، و تبعا لتغير الوضع العام فيها، و على العموم فإن الدراسة الاستقرائية لتطور الأحكام التشريعية المتضمنة علاقات العمل تمكن من التمييز بين ثلاثة مراحل:

المطلب الأول: مرحلة ما بين 1962 إلى 1975:

      تمتد هذه المرحلة من تاريخ إصدار قانون 31/12/1962 المتضمن تمديد العمل بالتشريع الفرنسي المطبق في الجزائر قبل الاستقلال إلى غاية تاريخ 5 جويلية 1975، و هو تاريخ بدء سريان أمر 73/29 المتضمن إلغاء قانون 31 ديسمبر 1962، و يرجع تمديد سريان التشريع الفرنسي المطبق في الجزائر قبل الاستقلال إلى الفراغ التشريعي الذي شهدته الجزائر عقب الاستقلال، رغم ما قد يولده هذا التمديد من تناقض بين الاتجاه الاشتراكي الذي أرادت الجزائر التزامه بعد الاستقلال، و الاتجاه الحر للتشريع الفرنسي الذي يغلب على علاقة العمل الطابع التعاقدي، بتفعيل دور الإرادة فيها وفق مبدأ سلطان الإرادة، على حساب التدخل التشريعي من قبل الإرادة، غير أنه و خلال هذه المرحلة، بدأت تظهر بوادر استقلال الدولة الجزائرية الفتية بتقنين بعض مجالات الشغل كما هو الشأن بالنسبة لقانون الوظيفة العمومية الصادر في 2 جوان 1966، و كذلك الأمر رقم 71/74 المتعلق بالتسيير الاشتراكي للمؤسسات.

المطلب الثاني: مرحلة ما بين 1975 و 1990:

      و هي المرحلة الممتدة من تاريخ سريان الأمر 73/29 إلى تاريخ إصدار قوانين 1990، لاسيما قانون 90/11 المتعلق بعلاقات العمل الفردية، و تتميز هذه المرحلة بإصدار نصوص قانونية تتلاءم و الاتجاه الاشتراكي للجزائر في تلك المرحلة، و الذي تجلى من خلال تدعيم علاقات العمل بأحكام تشريعية آمرة، و استبعاد لدور الإرادة فيها، محاولة من المشرع المحافظة قدر الممكن على مناصب العمل.

      شهدت هذه المرحلة إصدار العديد من النصوص القانونية الاجتماعية، بدء من الأمر 75/31 المتضمن الشروط العامة للعمل في القطاع الخاص، و الأمر 75/32 المتضمن العدالة في العمل، و الأمر 75/30 المتضمن المدة القانونية للعمل، و كذلك الأمر 75/33 المتضمن تحديد اختصاصات مفتشية العمل، و خلال هذه المرحلة سن القانون 78/12 المتضمن القانون الأساسي للعامل، و الذي يعتبر بمثابة الدستور الذي يحكم كافة جوانب علاقات العمل، و في كافة المجالات.

المطلب الثالث: مرحلة ما بعد 1990:

      يترجم تشريع العمل الوضعي في الجزائر تراجع المشرع عن الخيار الاشتراكي الذي تم تبنيه في المرحلة السابقة، و يعود هذا التراجع إلى الخيارات الاقتصادية و السياسية التي اعتمدتها الجزائر مع نهاية الثمانينات، في إطار الإصلاحات التي بادرت بها، و التي كانت لها انعكاسات على واقع العلاقات القانونية بين العمال و المستخدمين، حيث تم تغليب الطابع التعاقدي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول: مفهوم قانون العمل

المبحث الأول: التعريف بقانون العمل و بيان خصائصه:

المطلب الأول: التعريف بقانون العمل:

      اختلف الفقه في التعريف بقانون العمل، و مرد هذا الاختلاف هو حداثة القانون، و اختلاف الآراء حول نطاق تطبيقه، و أول ما يظهر من هذا الاختلاف هو التباين في الاصطلاح، حيث عرف عددا من التسميات نوجزها في ما يلي:

1-  القانون الصناعي: و هو الاصطلاح الأول من حيث الظهور، حيث اقترن بالثورة الصناعية بأوروبا، غير أنه يفهم من هذا الاصطلاح أن المقصود بمجموع النصوص القانونية التي تنظم العلاقات القانونية بين التابع و المتبوع هي تلك التي يتحدد نطاقها في عمال الصناعة وحدهم، و بالتالي يخضعون وحدهم لقانون العمل، و عليه يكون هذا الاصطلاح قاصرا على الإلمام بكل فئات العمال، حيث يستثني فئة المأجورين الذين يؤدون عملا مأجورا في قطاع التجارة و الخدمات.

2-  القانون الاجتماعي: ترتكز هذه التسمية إلى اعتبار مجمل النصوص المنظمة لعلاقات العمل تهدف في الأساس إلى دعم الأمن الاجتماعي، غير أنه ما يعاب على هذه التسمية أن القانون الذي ينظم علاقات العمل ليس وحده الذي يضمن الأمن الاجتماعي، و إن كان جوهريا لتحقيق هذه الغاية، بل أن ضمان الأمن الاجتماعي تكفله مجمل القوانين متكاملة فيما بينها، حيث أن الهدف النهائي لوجود أي قانون هو تحقيق هدف السلم الاجتماعي.

3-  قانون العمل: يمكن لهذا الاصطلاح أن يشكل بديلا للاصطلاحات السابقة، من حيث كونه أكثر قدرة على التعبير عن النصوص التي تنظم العلاقات الناشئة عن العقود التي يتم بمقتضاها تبادل الجهد و الأجر فيما بين أطرافها.

      وردت عديد التعاريف بصدد قانون العمل، إلا أن الاتجاه الغالب في الفقه يعرفه بأنه مجموعة القواعد القانونية و التنظيمية و الاتفاقية التي تنظم العلاقات القائمة بين كل من العمال و المؤسسات المستخدمة، و ما يترتب عنها من حقوق و التزامات و مراكز قانونية للطرفين، و على هذا الأساس، فإن قانون العمل يتشكل كالآتي:

1-  من حيث النصوص: لا يكتفي قانون العمل فقط بالتشريعات، و إنما يتعداها إلى الاتفاقيات الجماعية و الأنظمة الداخلية

2-  من حيث مجال التطبيق: ينصرف تطبيق قانون العمل الحديث إلى جميع الفئات العمالية، و في مختلف المجالات: الصناعة، التجارة، و الخدمات، فيما عدا الفئات المستثناة صراحة من الخضوع لقانون العمل لاسيما الموظفين، القضاة، و كذا المنتسبين لقطاع الدفاع الوطني.

3-  من حيث الجوانب التي ينظمها: لا يقتصر قانون العمل على تنظيم الحياة المهنية للعمال، أثناء سريان علاقة العمل، و غنما يتعداها إلى كل الجوانب التي لها علاقة بالعمل، حتى أثناء انقطاعه أو توقفه، مثل وضعية التقاعد، و المرض.

المطلب الثاني: خصائص و مميزات قانون العمل:

      شكلت قواعد قانون العمل فيما بينها مجموعة ذات استقلالية جعلتها متميزة عن غيرها من القواعد، و تتلخص هذه الخصائص فيما يلي:

الفرع الأول: الصيغة الآمرة:

      أخذ القول بسلطان الإرادة في التراجع، و ذلك أمام نمو الاتجاهات الاجتماعية على حساب المذاهب الفردية، مما ضيق من مجال هذا المبدأ لصالح القانون، الذي بدأ يتدخل في مجال قانون العمل بقواعد آمرة، مما ترتب عنه ظهور نظام عام حمائي تدعم معه مركز العمال في علاقة العمل على حساب سيطرة أصحاب العمل التي كانت تستند إلى قانون العرض و الطلب، و إلى مبدأ سلطان الإرادة، و يبرز هذا التدخل في التشريع الجزائري من خلال الكثير من الأحكام القانونية، مثل نص المادة 53 من قانون 90/14 المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي: "لا يجوز للمستخدم أن يسلط على أي مندوب نقابي بسبب نشاطاته النقابية عقوبة العزل أو التحويل، أو أي عقوبة تأديبية كيفما كان نوعها."، و لا يكتفي المشرع بإقرار المسؤولية المدنية للمستخدم لإخلاله بأحكام قانون العمل، بل يتشدد في المسؤولية ليجعل منها مسؤولية جزائية في بعض الحالات، كما هو الشأن في حالة إبرام عقد عمل لمدة محدودة في غير الحالات المنصوص عليها قانونا وفقا لما ورد في المادة 146 مكرر من قانون 90/11 المتضمن علاقات العمل المعدل و المتمم: "يعاقب على كل مخالفة لأحكام هذا القانون المتعلقة باللجوء إلى عقد العمل ذي المدة المحدودة خارج الحالات و الشروط المنصوص عليها صراحة في المادتين 12 و 12 مكرر من هذا القانون بغرامة مالية من 1000 دج إلى 2000 دج مطبقة حسب عدد المخالفات."

الفرع الثاني: ذاتية المصدر:

     يعتبر قانون العمل في شكله المعاصر محصلة لجهود طبقة العمال من أجل وضع قواعد هذا القانون، مما جعله متميزا عن غيره من فروع القانون من حيث مصادره، التي يعتمد فيها بالخصوص إضافة إلى النصوص القانونية، أحكاما ذات طابع اتفاقي، تتمثل على الخصوص في الاتفاقيات و الاتفاقات الجماعية، التي تترتب عن الأخذ بمبدأ التفاوض بين أرباب العمل و العمال، و التي لا يكون القانون إزاءها إلا مجرد كاشف عن إرادة المخاطبين بأحكامه، عمالا أو مستخدمين.

الفرع الثالث: الاتجاه نحو التدويل:

      عملت الآراء الفقهية و البحوث العلمية على التقارب بين أحكام قانون العمل في مختلف الأنظمة القانونية في العالم، مما يجعل بالإمكان الحديث عن عولمة قانون العمل، أو القانون الدولي للعمل، و يبرر اتجاه هذا القانون للتدويل بوجود منظمات دولية متخصصة تعنى بمسائل قانون العمل، مثل المنظمة الدولية للعمل، و منظمة العمل العربية، و التي تساهم في التقريب بين النصوص القانونية المتعلقة بالعمل بفضل الاتفاقيات الدولية، و التوصيات و الأعمال الاستشارية التي تقدمها للدول.

 

المبحث الثاني: مصادر قانون العمل:

      تنقسم مصادر العمل إلى فئتين: مصادر وطنية، و مصادر دولية:

المطلب الأول: المصادر الوطنية:

     إن المصادر الوطنية أو الداخلية إما أن تكون مصادر رسمية، أو مصادر تفسيرية.

الفرع الأول: المصادر الرسمية:

      تشمل مصادر القانون مرتبة وفق مبدأ تدرج القوانين، و هي:

1-  المبادئ الدستورية: عرفت الجزائر بدء من دستور 1989 ما يعرف بالدستور القانون، بعد أن تبنت الدستور البرنامج الذي تميز بخصائصه دستور 1976، حيث اكتفى كل من دستور 1989 و 1996 بوضع المبادئ الدستورية التي تحكم عالم الشغل، دون التوسع في مكانة العمل في المجتمع، مثلما كان الوضع بالنسبة لدستور 1976، في مقابل إقرار المبادئ الأساسية للعمل ، و التي وردت في الفصل الخاص بالحقوق و الحريات العامة، لاسيما المواد من 55 إلى 57 من دستور 1996، و التي تضمنت الحق في العمل، و الحق في الإضراب، الحق النقابي، و غيرها من الحقوق المرتبطة بعالم الشغل كالحق في الحماية و الأمن، و الحق في الراحة.

2-  النصوص التشريعية: لا تكفي المبادئ الدستورية وحدها كي تحكم عالم الشغل، بحكم أنها مجموعة مبادئ عامة، ينبغي أن تفصل بمقتضى نصوص تشريعية، حيث أحال دستور 1996 على البرلمان صلاحية التشريع في مجال قانون العمل، و ذلك بمقتضى المادة 122 الفقرة 18 من الدستور، التي خصت البرلمان بصلاحية التشريع في المسائل المتعلقة بقانون العمل و الضمان الاجتماعي، و ممارسة الحق النقابي، و هي الصلاحية التي كان المشرع التأسيسي قد أكدها بمقتضى المادة 155 من دستور 1989، مما انجر عنه إصدار العديد من النصوص التشريعية المتعلقة بعالم الشغل، لاسيما قانون 90/11 المتعلق بعلاقات العمل.

3-  النصوص التنظيمية: ورد في المادة 125 من الدستور أن "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون." و هي المسائل التي حددتها المادة 122 من الدستور، كما أن لرئيس الحكومة (الوزير الأول حاليا) صلاحية اتخاذ الوسائل التنظيمية و الإجرائية لتنفيذ النصوص القانونية، مثلما هو وارد في الفقرة 2 من المادة 125 من الدستور: "يندرج تطبيق القانون في المجال التنظيمي الذي يعود لرئيس الحكومة."، و على هذا الأساس فإن المقصود بالنصوص التنظيمية فئتان:

-          المراسيم الرئاسية: الصادرة عن رئيس الجمهورية.

-          المراسيم التنفيذية: الصادرة عن الوزير الأول.

4-     الأحكام القضائية: اختلف الفقه في الأخذ بالأحكام القضائية ضمن زمرة المصادر الرسمية، و إن كان الإجماع قد وقع باعتبارها مصدرا ماديا للكثير من الأحكام التشريعية، أو التنظيمية، أو الاتفاقية، من خلال المبادئ القضائية التي يستقر عليها القضاء بمناسبة الفصل في مختلف الدعاوى المرفوعة إليه، مما يدفع بالسلطات التشريعية و التنظيمية، إضافة أرباب العمل و العمال من خلال الاتفاقيات الجماعية إلى تبني المبادئ القضائية، حرصا على استقرار المعاملات فيما بين أطراف علاقة العمل، كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعزف القضاء عن الفصل في النزاع المطروح أمامه، حتى في الوضع الذي  يتعذر فيه وجود نص قانوني أو تنظيمي أو اتفاقي، و ذلك تحت طائلة اعتبار القاضي مقترفا لجريمة إنكار العدالة.

الفرع الثاني: المصادر التفسيرية:

     تتميز قواعد قانون العمل بذاتية مصدرها، و واقعية أحكامها، و مرد هذه الميزة أن هذه القواعد تعود في غالبيتها إلى إرادة أطراف علاقة العمل، مما ترتب عنه ظهور فئة من المصادر غير الرسمية، أي غير التي ينشؤها القانون أو السلطات الرسمية في الدولة، و تتمثل هذه المصادر في ما يلي:

1-العرف و العادات المهنية: لم تزل للعرف في مجال قانون العمل أهمية بالغة، بل أن الكثير من الأحكام القانونية في هذا المجال يعود مصدرها المادي إلى العرف و العادات المهنية، و من هذه الأحكام ممارسة الحق النقابي، حق العامل في التعويض عن الإنهاء التعسفي، الحق في مهلة الإخطار، و الحق في الإجازة المدفوعة الأجر.

2-الاتفاقيات الجماعية: و تدعى عقد العمل الجماعي، و هي اتفاق تنظم بمقتضاه شروط العمل و ظروفه، بين العمال من جهة ممثلين بمنظمة نقابية، أو مندوبي المستخدمين، و بين صاحب العمل أو منظمات أصحاب العمل من جهة ثانية، و يشترط في هذا الاتفاق أن يضمن ظروف و مزايا عمل أفضل من تلك المقررة في التشريع، تحت طائلة بطلان الاتفاقية، و هذا ما يفهم من نص المادة 114 من قانون علاقات العمل المعدل و المتمم، و تمكن استقلالية الاتفاقية الجماعية عن الهيئات الرسمية في الدولة، و إقرارها بالتفاوض بين العمال و أرباب العمل من اكتساب أهمية كبيرة من حيث تقبل أطراف علاقة العمل لأحكامها، كونها مستقاة من إرادتهم، كما أن الاتفاقيات الجماعية غالبا ما تمنح العمال مزايا أكثر من تلك التي يمنحها القانون، و بالتالي نشأت للاتفاقية الجماعية مصداقية كبيرة في عالم الشغل، لهذا فغن القانون كثيرا ما يحيل على الاتفاقيات الجماعية، للبث في الكثير من المسائل، مثلما ورد في نص المادة 6 من أمر رقم 96/21: "يمنح العامل في ولايات الجنوب عطلة إضافية لا تقل عن عشرة أيام عن سنة العمل الواحدة.

تحدد الاتفاقيات أو الاتفاقات الجماعية كيفيات منح هذه العطلة."

أدخل المشرع الجزائري بمقتضى الأمر 96/21 المعدل و المتمم لقانون علاقات العمل اصطلاح الاتفاق الجماعي و الذي يتميز عن الاتفاقية الجماعية بكونه: "اتفاق مدون يعالج عنصرا معينا، أو عدة عناصر محددة من مجموع شروط التشغيل و العمل بالنسبة لفئة أو عدة فئات اجتماعية و مهنية، و يمكن أن يشكل ملحقا للاتفاقية الجماعية." حسبما ورد في الأمر 96/21 المعدل و المتمم للمادة 114 من القانون 90/11.

الفرع الثالث: النظام الداخلي:

     يلعب الفقه في مجال قانون العمل الدور ذاته الذي يلعبه في غيره من فروع القانون، إذ أنه يمد المشرع في الكثير من الحالات بالأفكار و الدراسات و التحاليل التي قد تمكنه من وضع الحلول القانونية لمختلف الإشكالات التي قد تطرأ على عالم الشغل، و قد كان للفقه هذا الدور عند دعوته إلى استبدال فكرة عقد العمل باصطلاح علاقة العمل، تحت مبرر الأثر المتعاظم للتدخل التشريعي في مجال الشغل، و الابتعاد تدريجيا من المفهوم التعاقدي المستند على سلطان الإرادة.

   المطلب الثاني: المصادر الدولية:

     تتشابه ظروف الطبقة العاملة في مختلف دول العالم، الأمر الذي نجم عنه تقارب أحكام قانون العمل في مختلف الأنظمة التشريعية في العالم، و مما زاد في هذا التقارب هو ظهور مجهودات المنظمات ذات الطابع الدولي، تركزت حول محاولة توحيد أحكام قانون العمل على المستوى الدولي، من خلال صياغة اتفاقيات دولية متعددة الأطراف.

      إن أهم المنظمات التي يمكن التطرق إليها في هذا المجال هما:

-          المنظمة الدولية للعمل.

-          المنظمة العربية للعمل.

الفرع الأول: المنظمة الدولية للعمل:

      أنشئت المنظمة الدولية للعمل بمقتضى معاهدة فرساي لسنة 1919، التي أبرمت بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى، حيث اتفق الموقعون على الاتفاقية بمقتضى ما ورد في مقدمتها على إنشاء منظمة دولية دائمة لتحقيق العدل الاجتماعي بما يدعم الأمن و السلام العالميين، و ذلك من خلال تحسين الظروف الاجتماعية للعمال، و تنظيم ساعات العمل، و وضع حد أقصى لساعات العمل اليومية و الأسبوعية، و حماية العمال من الأمراض المهنية، و حوادث العمل.

      لقد وضعت منظمة العمل الدولية العديد من الاتفاقيات، شملت مختلف جوانب علاقة العمل، منها على الخصوص:

-          الاتفاقية رقم 10 لسنة 1948 الخاصة بتحديد الحد الأدنى لساعات العمل.

-          الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 الخاصة بالحرية النقابية.

-          الاتفاقية رقم 14 لسنة 1924 الخاصة بالراحة الأسبوعية.

الفرع الثاني: المنظمة العربية للعمل:

        أنشئت المنظمة العربية للعمل سنة 1971 كهيئة تابعة لجامعة الدول العربية، قصد النهوض بقضايا العمل العربية على اختلاف أشكالها و مواضيعها، مما يخدم قطاع العمل في البلاد العربية، و من بين إنجازاتها إقرار الاتفاقية العربية للحريات النقابية لسنة 1977.

       تكتسي الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل رئيس الجمهورية أهمية بالغة، باعتبارها تلي الدستور من حيث سموها بصريح نص المادة 132 من الدستور الجزائري، و التي جاء فيها: "الاتفاقيات التي صادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في القانون تسمو على القانون" و هذا ما يكسبها أهمية بالغة، لاسيما و أن الدولة الجزائرية قد اعتمدت غالبية الاتفاقيات الدولية المبرمة في هذا المجال.

الفصل الأول: علاقة العمل الفردية

   العقد هو الإطار القانوني الذي يتم ضمنه تبادل الطرفين في علاقة العمل لالتزاماتهما، استنادا إلى مبدأ حرية التعاقد، و هذا ما يجعل عقد العمل خاضعا لأحكام العقد عموما، حتى و إن ظهرت بعض الخصوصيات استدعت أحكاما يتميز بها عقد العمل عن غيره من العقود، لاسيما و أن مجال الحرية التعاقدية فيه غير مطلق بالنظر لتدخل المشرع لأجل تنظيم و توجيه إرادة الأطراف متى كان هذا التدخل مبررا بحماية العامل باعتباره الطرف الضعيف في العقد.

المبحث الأول: ماهية عقد العمل:

  يقتضي التطرق لماهية عقد العمل بيان تعريفه، ثم عناصره، و أخيرا شروط صحته.

 

المطلب الأول: التعريف بعقد العمل:

   لم يهتم المشرع الجزائري بتعريف عقد العمل على اعتبار عدم اختصاص القانون بصياغتها بل الفقه، الذي اتجه في هذا الصدد على الغالب إلى تبني تعاريف تأخذ بعين الاعتبار العناصر المشكلة لعقد العمل، فعرف على هذا الأساس بأنه العقد الذي يلتزم العامل ببذل جهده لمصلحة رب العمل، و تحت إشرافه و توجيهه، مقابل التزام هذا الأخير على تمكينه من الأجر.

     يتشكل عقد العمل وفقا للتعريف السابق باجتماع جملة من العناصر تجعله متميزا عن غيره من العقود المشابهة لاسيما عقد المقاولة، باعتباره واحد من العقود الواردة على العمل، إلى أن ما يتميز به عقد العمل عن عقد المقاولة هو استقلالية المدين بالعمل –المقاول- في أداء العمل عن صاحب المشروع، بحيث لا يكون خاضعا عند تنفيذ العقد لأوامره و توجيهاته، كما يتميز عقد العمل عن عقد المقاولة في كون مقتضى هذا الأخير الالتزام تحقيق النتيجة التي يتضمنها العقد، مثل إقامة منشأة، أما بالنسبة للعامل فلا يعدو أن يكون التزاما ببذل عناية مقتضاها بذل الجهد دون أن يكون مسؤولا عن تحقيق نتائج بعينها، على اعتبار أن هذه النتائج مرتبطة بالأساس بتوجيهات و أوامر رب العمل.

المطلب الثاني: عناصر عقد العمل:

       نستخلص من التعريف السابق لعقد العمل أنه يتشكل من اجتماع ثلاث عناصر تمثل جوهر العقد، و يمكن حصر هذه العناصر في ما يلي:

الفرع الأول: عنصر العمل    

      يتمثل في الجهد الذي يكون العامل ملزما ببذله لمصلحة رب العمل، بما يستجيب لتوجيهات هذا الأخير و أهدافه، و يستوي في ذلك أن يكون هذا المجهود بدنيا أو فكريا، كما أن هذا العنصر يختلف عن عنصر العمل الذي قد تتضمنه بعض العقود المشابهة بالنظر لما يميزه بالنسبة لعقد العمل، و نخص في ذلك بالذكر:

1-     شخصية عنصر العمل: إن قوام العلاقة القائمة بين رب العمل و العامل هو الاعتبار الشخصي الذي يكون دافعا لتحديد مدى إبداء الطرفين رغبتهما في إبرام العقد، على الأخص بالنسبة لرب العمل، حيث تكون شخصية العامل و صفاته و مؤهلاته جوهرية في العقد، و هذا ما يجعل من تنفيذ العمل مقتصرا على العامل دون غيره، بحيث لا يمكنه تكليف الغير بأدائه سواء أداء كليا أو جزئيا، على خلاف الوضع بالنسبة لعقد المقاولة، حيث يكون الغرض من التعاقد تحقيق نتيجة يمكن للمقاول أن يعهد لغيره في تحقيقها، و تأكيدا لذلك ألزم المشرع الجزائري بمقتضى نص المادة 7 من قانون 90/11 العمال بأن "يؤدوا و بأقصى ما لديهم من قدرات، الواجبات المرتبطة بمنصب عملهم، و يعملون بعناية و مواظبة في إطار تنظيم العمل الذي يضعه المستخدم" كما يتأكد هذا الاتجاه في ما ذهب إليه المشرع المدني الجزائري من أنه: "في الالتزام بعمل إذا نص الاتفاق أو استوجب طبيعة الدين أن ينفذ المدين الالتزام بنفسه، جاز للدائن أن يرفض الوفاء من غير المدين." 

2-     الخضوع لتوجيهات و أوامر رب العمل:

يبرر اقتصار مسؤولية العامل في بذل العناية دون أن يتعداه إلى تحقيق النتائج الذي يحددها رب العمل في أن هذا الأخير هو من يحوز سلطة توجيه العامل إلى كيفيات تنفيذ العمل من خلال سلطة الإشراف و الرقابة المقررة لمصلحته، و هي السلطة التي تظهر من خلال تمكينه من إصدار النظام الداخلي بما يتضمنه من أحكام تأديبية و فنية.

3-     توفير ظروف العمل اللازمة: بما يحمله هذا العنصر من دلالة على انحصار التزام العامل ببذل الجهد، على خلاف الأمر بالنسبة لعقد المقاولة، حيث يقع التزام المقاول بتوفير وسائل العمل التي تتلاءم و طبيعة التزامه بمقتضى  عقد المقاولة.

    الفرع الثاني: عنصر الأجر: و هو المقابل المالي لالتزام العامل ببذل الجهد، و الموقع على ذمة رب العمل بمقتضى العقد، و يشتمل على عنصرين، أحدهما ثابت و يسمى أجر المنصب، أو الأجر القاعدي، و الآخر متغير، و يتضمن المبالغ المدفوعة للعامل في شكل منح و تعويضات، و يحدد الأجر بالتفاوض الفردي فيما بين العامل و رب العمل، أو من خلال التفاوض الجماعي، حيث يقرر في هذه الحالة بمقتضى الاتفاقية الجماعية التي تتبعها المؤسسة المستخدمة، و في هذا ترجمة لمبدأي الحرية التعاقدية و التفاوض الجماعي الذين اعتمدهما المشرع في مجال علاقات العمل بعد التعديلات التي أحدثها في هذا الخصوص سنة 1990.

   الفرع الثالث: عنصر التبعية: يقصد بها سلطة رب العمل في الإشراف على العامل، و توجيه الأوامر باعتبارها مظهرا من مظاهر السلطة الممنوحة قانونا لرب العمل في إطار علاقة العمل، و يذهب الفقه في تبرير عنصر التبعية ثلاث مذاهب رئيسة:

 

1- التبرير الاقتصادي لعنصر التبعية:

   مؤداه أن العامل مرتبط معيشيا بالأجر، بما يجعله مجبرا على الاستجابة لأوامر رب العمل المحتكر لجهد العامل خلال المدة التي تستغرقها علاقة.

2- التبرير القانوني لعنصر التبعية:

    يعتمد هذا الموقف في تبرير التبعية في ما يمنحه القانون صراحة من صلاحيات إدارة المنشأة المشغلة، بما يتطلبه ذلك من سلطة توقيع الجزاءات المترتبة عن الأخطاء التي يمكن للعامل أن يقترفها أثناء سريان علاقة العمل، ضمانا للسير الحسن للعمل، و هو مل يبرر به تمكين رب العمل من إصدار وثيقة النظام الداخلي، و التقسيم العضوي و الفني للعمل داخل المنشأة المستخدمة.

3- التبرير المختلط لعنصر التبعية:

    يأخذ هذا الرأي موقفا متوازنا بين الموقفين السابقين، بحيث يبرر عنصر التبعية بالحاجة الاقتصادية التي تدفع العامل إلى قبوله الخضوع لتوجيهات و أوامر رب العامل، غير أن هذا الرأي ليس كافيا وحده، إذ ينبغي أن يجتمع بالتبرير القانوني على اعتبار أن القانون يدعم المركز الممتاز لرب العمل من خلال تمكينه من صلاحية الإشراف و التوجيه لأجل تحقيق الأهداف الاقتصادية للمنشاة، بل أن الغالب أن مرد هذه السلطة هو القانون و ليس الحاجة الاقتصادية، على اعتبار أن الوضعية الاجتماعية للعمال ليست متشابهة، على الرغم من ذلك فإنهم ملزمون قانونا بالخضوع لتلك الأوامر بالقدر و الكيفية ذاتها.

   المطلب الثالث: شروط صحة عقد العمل: تتمثل على الخصوص في الشروط العامة المستوجبة لصحة العقود عموما، و عليه يمكن أن نميز بصددها بين:

     الفرع الأول: الأهلية: نميز في ذلك بين أهلية العامل ثم أهلية رب العمل.

1-    أهلية العامل: أثرت الاعتبارات الاجتماعية في تمييز الأهلية بالنسبة للعامل بأحكام خاصة، حيث مكن المشرع العامل القاصر من إبرام عقود العامل على شرط الترخيص له من قبل وليه الشرعي متى بلغ 16 سنة (المادة 15 ف1 قانون 90/11)، كما أن ما يميز عقد العمل بالنسبة للقواعد العامة أن الأهلية على الرغم من اعتبارها مسألة من مسائل النظام العام يفترض أن يلحق التصرف الذي لا يحترمها البطلان،  إلى أنه بالنسبة لعقد العمل ما ينجم عن عدم أهلية العامل هو بطلان من نوع خاص يتقرر بالنسبة للمستقبل، و على هذا الأساس فإن الأجور التي يكون العامل غير المؤهل قد استحقها نتيجة وضعية العمل الفعلي التي ربطته برب العامل تظل تحظى بالحماية القانونية على الرغم من بطلان التصرف على خلاف القواعد العامة.

2-    أهلية رب العمل: ينبغي في هذا الصدد التمييز بين رب العمل في الوضع الذي يكون شخصا طبيعيا، ثم في الوضع الذي يكون فيه شخصا معنويا.

أ‌-     رب العمل شخص طبيعي: يشترط لرب العمل في هذه الحالة أهلية أداء كاملة على اعتبار أن عقد العمل هو من العقود الدائرة بين النفع و الضرر.

ب‌-  رب العمل شخص معنوي: تتحقق في هذه الحالة أهلية الشخص المعنوي بالنظر للاختصاص حسبما هو مقرر في الأنظمة الداخلية و التقسيم العضوي للمهام داخل المنشأة الذي يحيل على جهة ما داخل المنشأة صلاحية إبرام عقود العمل، مثل أن يكون مدير الموظفين، أو مدير المنشأة. 

   الفرع الثاني: الرضاء في عقد العمل: يعد عقد العمل في الأصل من العقود الرضائية التي تنعقد بمجرد تطابق الإيجاب و القبول، دون أن يشترط لتمامه شكلا معينا، إلى أنه بالنسبة للعقود المحددة المدة يشترط المشرع أن يتم تحديد المدة كتابة، و ذلك تحت طائلة تحول العقد من عقد محدد المدة إلى عقد غير محدد المدة، مع ما يستتبعه ذلك من آثار لاسيما المالية منها.

   الفرع الثالث: المحل و السبب في عقد العمل: تنطبق بالنسبة لعقد العمل الشروط العامة للعقود فيما يتعلق بالمحل و السبب، كما أن اعتباره من العقود التبادلية الملزمة للجانبين يجعل من محل التزام أحد الطرفين سببا لالتزام الطرف الثاني، إذ أن الأجر الذي هو محل التزام رب العمل هو من جانب آخر سبب التزام العامل، كما أن الجهد الذي يعد محل التزام العامل هو ذاته سبب التزام رب العمل بدفع الأجر.

   المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لعلاقة العمل:

   يمكن التمييز بصدد الطبيعة القانونية لعلاقة العمل بين نظريتين:تقليدية و حديثة:

   المطلب الأول: النظرية التقليدية:

   هي في الأساس نظرية رأسمالية تنظر إلى عنصر العمل باعتباره "سلعة" يمكن أن تكون محلا للتعاقد، و بالتالي إمكانية أن تكون محل إيجار، وفق ما يعرف بعقد إيجار الخدمات، و بناء على مبدأ الحرية التعاقدية، مما يبعد هذا النوع من العقود من مجال التدخل التنظيمي التي يمكن للدولة أن تمارسه. في مجال العلاقات القانونية.

   المطلب الثاني: النظرية الحديثة: و هي نظرية اجتماعية تستجيب أكثر للطابع الاجتماعي لعلاقة العمل، و لبعدها الإنساني، مما يفترض معه تدخل الدولة قانونيا لأجل ضمان تحقيق علاقات العمل عموما لأهدافها الاجتماعية،       و ضبط العلاقة الناشئة بين أرباب العمل من جهة، و العمال من جهة ثانية، و هو الأمر الذي يتجلى من خلال إقرار الكثير من النصوص التي تدعم مركز العمال في علاقة العمل، لاسيما تلك المتعلقة بالضمان الاجتماعي، شروط الصحة و الأمن داخل مقرات العمل، حظر تشغيل الأطفال و النساء في أعمال خطيرة إلى غيرها من الأحكام ذات البعد الاجتماعي.  نهأنه       

   الفصل الثاني التنظيم القانوني لعلاقات العمل:

   يتضمن هذا الفصل بالخصوص بيان مراحل انعقاد عقد العمل، ثم سريانها.

   المبحث الأول: انعقاد علاقة العمل:

   إن من بين ما يميز عقد العمل عن غيره من العقود المدنية الأخرى هو انعقاده على مرحلتين: التجريب ثم الترسيم.

   المطلب الأول: مرحلة التجريب: تعتبر مرحلة تمهيدية قبل تثبيت العامل في منصب عمله، إذ تسمح بأن يوضع خلالها العامل الجديد محل اختبار قصد التأكد من كفاءته و استعداده للقيام بالعمل الموكل إليه، و قد نظمت المادة من قانون 90/11 هذه المرحلة بالنص على إمكانية إخضاع العامل لفترة تجريب لا يجب أن تزيد عن ستة أشهر، إلى بالنسبة للمناصب ذات التأهيل العالي التي يمكن أن ترفع فيها هذه المدة إلى 12 شهرا، إلا أنه يمكن خفضها بمقتضى الاتفاقية الجماعية، حسب نص المادة 120 من قانون 90/11، كما تسمح فترة التجريب للعامل الاطلاع على ظروف العمل، و مدى ملاءمة المهام الموكلة له لمؤهلاته و استعداداته، و على هذا الأساس يمكن لأي من الطرفين، و خلال هذه المدة، التحلل من العقد دون أن تترتب على ذلك أية مسؤولية على عاتقه، أما إذا انقضت المدة دون أن يتمسك أحدهما بحقه في التحلل من العقد يتحول عندئذ إلى عقد بات.

   المطلب الثاني: فترة الترسيم: بمجرد انقضاء فترة التجريب دونما استعمال الطرفين حقهما في التحلل من العقد يصبح العقد نهائيا، بما يمكن العامل من التمتع بكب الحقوق المرتبطة بالترسيم، كعدم إمكان فصل العامل إلى وفق إجراءات خاصة، و الحق في الترقية.

   المبحث الثاني: سريان علاقة العمل:

   يعرف عقد العمل من حيث سريانه وضعيتين: العمل الفعلي، و الانقطاع.

   المطلب الأول: وضعية العمل الفعلي: و هي الوضعية الأصلية المترتبة عن علاقة العمل، حيث تفترض تواجد العامل في مقرات العمل و قيامه بالوظيفة المسندة إلية فعليا، على اعتبار أن حق العامل في اقتضاء الأجر مرهون بأداء العمل المتفق عليه، و ما ينجم عن وضعية الفعلي هي مجموعة الامتيازات المرتبطة حصرا بهذه الوضعية، من ذلك الحصول على المنح و التعويضات، و الحق في الترقية.

   المطلب الثاني: وضعية التوقف المؤقت عن العمل: قد تعلق علاقة العمل مؤقتا لاعتبارات قانونية دون أن يؤدي ذلك إلى قطعها، و ذلك في الحالات التالية:

   الفرع الأول: الاستيداع: يتحقق في الوضع الذي يتعذر فيه على العامل الاستمرار مؤقتا في تبادل التزاماته مع صاحب العمل لاعتبارات مختلفة، من أمثلتها اضطرار الزوجة لمرافقة زوجها بمناسبة انتقاله للعمل في مكان بعيد عن مكان مزاولتها لعملها،، و قد ورد النص على الاستيداع في المادة 64 و 8 من قانون 90/11 دون تعداد لحالاته، حيث يترك ذلك لتقدير رب العمل.

   الفرع الثاني: الانتداب: ينتقل العامل في هذه الحالة إلى مؤسسة أو هيئة أخرى لممارسة مهام قانوني أو انتخابية بشكل دائم، و لمدة محددة، و يتحقق الانتداب في الحالات التالية:

1-  ممارسة مهمة انتخابية: حيث ل ا يمكن في هذه الحالة التوفيق بين الالتزامات المهنية و الالتزامات الانتخابية، الأمر الذي يدفع إلى توقف العامل عن ممارسة مهنته مدة أداء المهمة الانتخابية، لاسيما بالنسبة للمهام الانتخابية الوطنية، مثل عضوية البرلمان، حيث يستفيد العامل من تفرغ كامل، و الأمر ذاته بالنسبة للمهام النقابية، و إن كان العامل لا يستفيد حينها إلا من عدد محدود من ساعات الانتداب (10 ساعات شهريا) إضافة إلى ساعات الاجتماعات الرسمية.

2-  أداء واجب الخدمة الوطنية: و هو انتداب بقوة القانون بالنسبة للعامل المرسم، بحيث يكون رب العمل ملزما بالحفاظ على منصب العام

إلى حين عودته من الخدمة الوطنية أو تجديدي التكوين العسكرية.

3-  متابعة فترة تكوين أو تربص: يمكن العامل المتابع لفترة تكوين أو تربص من فترات انتداب تستغرق الساعات التي يتطلبها التكوين، و يقع التمييز بين التربص القصير و التربص الطويل المدى، فبالنسبة للتربص القصير المدى و الذي يقل عن 6 أشهر فإن العامل يستفيد من انتداب جزئي حسبما تقره الاتفاقية الاجتماعية التي تنتمي لها المؤسسة، و هي على الغالب ساعتين يومي، أما بالنسبة للتكوين الطويل المدى الذي يفوق 6 أشهر فيستفيد العامل من انتداب كلي يستغرق كل ساعات العمل، على أن يفقد العامل الحق في الأجر.

   الفرع الثالث: حالة المرض الطويل و عطلة الأمومة: كلاهما عذر يحول دون تمكن العامل أو العاملة من العمل الفعلي، لاعتبارات مرتبطة بوضعهما الجسمي، و عليه فإن علاقة العمل تنقطع طوال المدة التي يتطلبها الشفاء التام بالنسبة للعامل المريض، أما بالنسبة لعطلة الأمومة فإن المرأة العاملة في هذه الحالة تستفيد من عطلة إجبارية قدرها 14 أسبوعا، على أن يبدأ سريانها كأقصى تقدير أسبوعا قبل التاريخ المفترض للوضع.

   الفرع الرابع: الإضراب: أقر الدستور الحق في الإضراب، و اعتبرته المادة 64 من قانون 90/11 أحد أشكال التوقف القانوني عن العمل، كما أقرته المادة 32 من القانون 90/02 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل.

   الفرع الخامس: التوقف التأديبي: هو جزاء تأديبي قد يوقعه رب العمل ضد العامل، وفق سلم الأخطاء و العقوبات المقررة في النظام الداخلي، و يترتب عن التوقيف حرمان العامل من العمل، و تبعا لذلك من الأجر.

   الفرع السادس: التوقيف الاحتياطي: يتقرر في حال التحقيق مع العامل بتهمة سالبة للحرية، بحيث يوقف عن العمل إلى حين نظر الجهات القضائية في الدعوى، حيث إما بالإدانة فيكون ذلك سببا لانقضاء علاقة العمل، أو بالبراءة حيث يعاود العامل حينها الرجوع لمنصب عمله.

   الفرع السادس: التوقف المؤقت للهيئة المستخدمة: و هي الحالة الوحيدة التي يعود سبب الانقطاع فيها عن العمل مرتبط بحالة المؤسسة، حيث تتوقف عن العمل لاعتبارات مختلفة، مثل أعطاب لحقت وسائل الإنتاج، أو تعرض المؤسسة لأخطار طبيعية، أو لصعوبات مالية تمر بها المؤسسة، أو في التموين بالمادة الأولية، بحيث يضطر رب العمل إلى غلق مقرات العمل حتى زوال سبب التوقف.

   المطلب الثالث: أحكام ظروف عقد العمل:

   تتضمن ظروف العمل الظروف و الجوانب التنظيمية التي تحكم علاقة العمل، و التي يمكن إجمالها فيما يلي:

   الفرع الأول: المدة القانونية للعمل: يقصد بها المدة اليومية أو الأسبوعية التي يكون خلالها العامل في وضعية تبعية لرب العمل، ملتزما بوضع جهده في خدمته، و قد تكفل المشرع الجزائري بتنظيمها و اعتبرها من النظام العام، و هي محددة بأربعين ساعة أسبوعيا يترك للمؤسسات المستخدمة صلاحية توزيعها على مدار الأسبوع حسب خصوصيات كل قطاع.

   الفرع الثاني: فترات الراحة و العطل القانونية و الخاصة: يمكن أن نبين في هذا الصدد:

1- الراحة الأسبوعية: حدد المشرع حدها الأدنى بأربع و عشرين ساعة متتالية أسبوعيا حسب المادة 33 من قانون 90/11 و تستحق في الأصل يوم الجمعة، مع إمكان تكييفها حسب خصوصيات كل قطاع بأن تمنح في يوم آخر.

2- العطل و الإجازات القانونية: المقصود بها إجازات العطل الوطنية و الوطنية المحددة قانونا و التي تكون مدفوعة الأجر مثل عيد الثورة و الاستقلال و عيد الثورة، و عيد الفطر و الأضحى، و كذلك بالنسبة للعطلة السنوية التي تستحق على أساسا يوم عطلة بالنسبة لكل يوم عمل.

3- العطل الخاصة: يتمكن العامل من الحصول فرديا على عطل خاصة في حالات معينة حددتها المادة 54 من قانون 90/11، إضافة إلى استحقاق عطلة خاصة بمناسبة أدائه الحج مرة واحدة خلال مساره المهني.

   المبحث الثاني: آثار عقد العمل: تتضمن آثار عقد العمل بيان حقوق و التزامات كلا الطرفين:

   المطلب الأول: حقوق و واجبات العامل:

1- حقوق العامل: تتمثل على الخصوص فيما يلي:

أ‌-     الحق في الأجر: هو المقابل المالي المحدد الذي يتفق عليه، و يدفع للعامل نقدا كلما حل أجل سداده، مقابل العمل المؤدى، فهو متلازم مع العمل وجودا و عدما مثلما يفهم من نص المادة 80 ق90/11، و هو يعنى بحماية قانونية صارمة بالنظر لطابعه الاجتماعي و المعيشي، حيث أقر له المشرع أفضلية في السداد قبل غيره من الديون، بما فيها ديون الخزينة العمومية وفق نص المادة 89.

ب‌-  الحق في التأمين و الحماية و الضمان الاجتماعي: تتقرر هذه الحقوق في ذمة رب العمل و الدولة، كما هو الحال عند تعرض العامل لحادث عمل، أو مرض مهني، أو حتى لأسباب غير مرتبطة بعلاقة العمل كما هو الحال بالنسبة للشيخوخة و المرض وفق أحكام الضمان الاجتماعي و التي تمتد لفروع العامل و أصوله المكفولين و لزوجه.

ت‌-  الحق في الراحة و العطل القانونية: أضحى الحق في العطل حقا مكفولا دستوريا حسب نص المادة 55/03 من الدستور.

ث‌-  التأمين على البطالة: استحدث المشرع هذا التأمين بمقتضى المرسوم التشريعي 94/11 بالنسبة للعمال الذين يفقدون مناصب عملهم لأسباب لا إرادية اقتصادية، و يتمثل في اكتتاب تأمين على البطالة لدى الصندوق الوطني للتأمين على البطالة.

ج‌-  الحق في التقاعد: هو حق شخصي ذو طابع مالي، يستفيد منه العامل الذي استوفى شروط استحقاقه، لاسيما دفع استحقاقات الضمان الاجتماعي خلال المدة التي تمكنه من الاستفادة من أداءات الصندوق، و هي مقدرة ب 32 سنة يستحق على إثرها العامل الحق في التقاعد على أساس نسبة 80 من المائة من متوسط الأجر المدفوع عن السنة الأخيرة من العمل، أو الثلاث سنوات الأخيرة منم العمل إذا كان ذلك أفضل للعامل،، و ينتقل الحق في التقاعد إلى من هم في كفالته من ذوي الحقوق، و هم الزوج، و الفروع، و الأصول المكفولين.

ح‌-  الحق في التكوين و الترقية المهنية: ألزم المشرع رب العمل بمباشرة أعمال التكوين لمصلحة الأجراء و تحسين مستواهم حسب المادة 57 من قانون90/11، و ألزم العمال في ذات الوقت بمتابعة دورات التكوين التي ينظمها رب العمل.

خ‌-  الحق في ممارسة النشاط النقابي: مكن الدستور الجزائري العمال من الحق في الممارسة النقابية من خلال السماح بتأسيسي نقابات مستقلة عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، بعد أن كان مفهوم الممارسة النقابية في ظل النصوص السابقة يقتصر على حق الانضمام لهذه النقابة، و أقر بالنسبة للنقابيين إجراءات حمائية خاصة، تتمثل على الخصوص في حظر الإجراءات العقابية التي تتخذ ضد النقابيين بمناسبة ممارستهم لمهامهم.

2- التزامات العمال: يرتب عقد العمل على عاتق العامل الالتزامات التالية:

أ‌-     الالتزام بتنفيذ العمل المحدد في العقد: أقرت المادة 7 من قانون 90/11 هذا الالتزام باعتباره التزاما أساسيا مرتبا على عاتق العامل بمقتضى العقد، كما أن الإخلال به بدون عذر مقبول يمكن اعتباره خطا مهنيا جسيما قد تسريحه تأديبيا بدون الحق في التعويض وفق نص المادة 73 من القانون 90/11.

ب‌- الالتزام بتوجيهات صاحب العمل: من الواجبات الأساسية المترتبة على عاتق العامل و المستندة إلى عنصر التبعية و سلطة رب العمل في الإشراف و الرقابة، سواء قدمت هذه التوجيهات مباشرة أو بشكل غير مباشر، لاسيما بمقتضى التقسيم العضوي للمهام.

ت‌- الالتزام بالسر المهني:  يعتبر خرق هذا الالتزام بالحالات التي يمكن أن تبرر التسريح الذي يتعرض له العامل دون الحق في التعويض، على اعتبار أنه من الأخطاء المهنية الجسيمة حسب مفهوم نص المادة 73/02.

الفرع الثاني: حقوق و التزامات رب العمل:

1-    حقوق رب العمل: تثبت لمصلحة رب العمل بمقتضى عقد العمل حقوق يمكن تلخيصها فيما يلي:

أ‌-     الحقوق المرتبطة بعقد العمل: تتضمن في ذات الوقت الالتزامات المترتبة بمقتضى العقد على عاتق العامل، على اعتبار الطابع التبادلي لعقد العمل، و على هذا الأساس يكون التزام العامل ببذل الجهد حقا لرب العمل، كما أن التزام العامل بالسر المهني يقع في مصلحة رب العمل باعتباره وسيلة للحفاظ على مصالحه المادية، و الشأن ذاته النسبة لباقي الالتزامات.

ب‌- الحق في الإدارة و التنظيم: تظهر سلطة رب العمل الإدارية من خلال صلاحية اتخاذ الإجراءات التنظيمية داخل مقرات العمل، مثل صلاحية إصدار وثيقة النظام الداخلي، حتى و إن كانت خاضعة للرقابة الإدارية لمفتش العمل المختص.

ت‌- صلاحية توقيع الجزاءات التأديبية: تثبت للمستخدم سلطة توقيع الجزاءات بما خوله المشرع من سلطة تأديبية، حتى و إن كانت هذه السلطة محدودة قانونا، حيث تتوقف عند التسريح، الذي يخضع لإجراءات و شروط قانونية، و يخرج عن مجال إعمال السلطة التأديبية.

2-    التزامات صاحب العمل: إن الطابع المزدوج و التبادلي لعقد العمل يجعل من الحقوق الثابتة للعامل التزامات على ذمة رب العمل.

   المبحث الثالث: منازعات العمل الفردية:

   قصر المشرع الجزائري مفهوم المنازعة الفردية على المنازعات التي سبب نشوئها خلاف بين العامل و المستخدم حول تنفيذ علاقة العمل حسب ما يفهم من نص المادة 90/04 المتعلق بتسوية منازعات العمل الفردية، و نظم المشرع إجراءات تسوية النزاع من خلال التمييز بين فئتين من الأحكام: أحكام التسوية الودية، ثم التسوية القضائية.

   المطلب الأول: التسوية الودية للمنازعات الفردية في العمل: نميز في هذا الصدد بين التسوية التي تتحقق داخل المؤسسة، و تلك التي تباشر خارجها.

   الفرع الأول: التسوية الداخلية: تتم التسوية في هذه الحالة داخل أجهزة المؤسسة بطريقة إدارية بأن يسحب مصدر القرار قراره المنشئ للنزاع أو يعدله، أو يتقبله العامل، وفق الإجراءات المقررة في الاتفاقيات الجماعية أو القانون، مثل منح رب العمل مهلة لسحب أو تعديل القرار، و عقد جلسة استماع للعامل قبل إصدار القرار قصد التمكن من التقريب بين الطرفين في محاولة لحسم النزاع مسبقا.

   الفرع الثاني: المصالحة: هو إجراء يقوم به طرف ثالث أجنبي عن المؤسسة قصد التوفيق بين طرفي النزاع قصد حسمه قبل اللجوء إلى القضاء، و قد أوكلها المشرع الجزائري إلى هيئة متساوية التمثيل نصفها من ممثلي العمال، و النصف الثاني ممثلا لأرباب العمل، و يتولى أمانتها مفتش للعمل، و تتم المصالحة من خلال إيداع عريضة مكتوبة أو بمقتضى محضر بأقوال الطرف المتضرر يحرره رب العمل المختص، و المصالحة شرط جوهري لمباشرة الدعوى العمالية، بحيث يعد إغفالها سببا لرفض الدعوى القضائية شكلا.

1- اختصاصات مكتب المصالحة: نميز في هذا الصدد بين الاختصاص الموضوعي و الاختصاص المحلي:

أ‌-     الاختصاص الموضوعي: يمتد اختصاص مكتب المصالحة لكافة المنازعات الفردية في العمل، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، و عليه يستثنى من هذا المجال الأنظمة الخاصة، و تلك الخاضعة للوظيف العمومي.

ب‌- الاختصاص الإقليمي: الأصل أن يؤسس لكل دائرة إقليمي لمكتب مفتشية العمل مكتب للمصالحة، إلى إذا استدعت ضرورات عملية استحداث أكثر من مكتب واحد داخل دائرة اختصاص مفتشية واحدة، كما هو الحال بالنسبة لشساعة النطاق الجغرافي لاختصاص مفتشية العمل، أو ارتفاع حجم المنازعات العمالية لاسيما بالنسبة للمناطق ذات النشاط الاقتصادي الكثيف.

2- إجراءات المصالحة: تبدأ إجراءات المصالحة بعريضة يودعها المدعي لدى مفتش العمل المختص، أو الإدلاء بأقواله أمامه، على أن يحرر مفتش العمل محضرا بأقواله، ثم يستدعي خلال ثلاثة أيام مكتب المصالحة للانعقاد و يجتمع المكتب بعد ثمانية أيان على الأقل من تاريخ الاستدعاء، و في حالة تغيب المدعي دون عذر مقبول يمكن للمكتب شطب الدعوى (م28 ق90/04)، و إذا لم يحضر المدعى عليه دون عذر مقبول يتم استدعاؤه من جديد لاجتماع في أجل أقصاه ثمانية أيام، فإذا لم يحضر يحرر محضر بعدم المصالحة يسلم للمدعي لأجل مباشرة الدعوى القضائية.

أما إذا حضر الطرفان و تمت المصالحة فينقضي النزاع عند هذا المستوى، أما إذا لم تتحقق المصالحة فيحرر محضر بعدم المصالحة يستعمل في مباشرة الدعوى القضائية.

3- تنفيذ اتفاقات الصلح: لا يملك مكتب المصالحة سلطة إجبار الطرفين على تنفيذ اتفاق الصلح، حيث يتدخل المشرع لدعم ما تم الاتفاق عليه بين المتنازعين، حيث شمله بنظام الغرامة التهديدية بأمر من رئيس المحكمة المختصة الملتمس بعريضة من أجل التنفيذ، مع تحديد غرامة تهديدية لا تقل عن ربع الأجر الوطني الأدنى المضمون (م 34 ق90/04)

    المطلب الثاني: التسوية القضائية: نتطرق بصدد التسوية القضائية للمسائل التالية:

    الفرع الأول: تعريف قضاء العمل: هو قضاء مختص بالمنازعات التي تثور بين طرفي عقد العمل، ذو اختصاص أصيل، حيث لا ينظر إلا في المسائل التي يحيلها عليه قانون العمل دون غيرها، و هو قضاء مهني متساوي التمثيل، حيث يتشكل من ممثلين منتخبين من العمال، و ممثلين منتخبين عن أرباب العمل.

الفرع الثاني: تطور تنظيم قضاء العمل في الجزائر: مر تنظيم قضاء العمل في الجزائر بالمراحل التالية:

1- مرحلة ما قبل 1972: كان فيها قضاء العمل مندمجا ضمن المنظومة القضائية العامة التي أقرها الأمر 65-278.

2- مرحلة 1972-1975: تميزت بتحول في تشكيلة المحكمة الاجتماعية من حيث انعقادها برئاسة قاضي يساعده مساعدان لهما صوت استشاري حسب ما ورد في الأمر 72/61 المتضمن سير المحاكم في المسائل الاجتماعية.

3- مرحلة 1975-1990: تميزت بإجراءات خاصة لاسيما عرض النزاع على مفتشية العمل المختص حسب ما أورده الأمر 75/32 المتعلق بالعدالة في العمل.

4- مرحلة ما بعد 1990: أقر المشرع بمقتضى القانون 90/04 المتضمن تسوية المنازعات الفردية في العمل صوتا تداوليا بالنسبة للمساعدين.

   الفرع الثالث: تشكيل و اختصاصات محكمة العمل:

1- تشكيل محكمة العمل: تتشكل محكمة العمل من قاضي يرأس المحكمة، و من ممثلين اثنين للعمال، و ممثلين اثنين لأرباب العمل، ينتخبون من بين العمال و أرباب العمل كل حسب صفته، و يجوز للمحكمة أن تنعقد قانونا بحضور ممثل واحد عن كل فئة، أما بالنسبة للغرفة الاجتماعية على مستوى المجالس القضائية و المحكمة العليا فهي تتشكل حصرا من قضاة معينين.

2-  اختصاصات محكمة العمل: حدد القانون مجال اختصاص محكمة العمل سواء تعلق الأمر بالاختصاص الإقليمي أو الاختصاص الموضوعي.

أ‌-     الاختصاص الإقليمي: لا يطرح الاختصاص الإقليمي على اعتبار تحديده قانونا بمقتضى الأمر 97/11 المتضمن التقسيم القضائي، كما أن المادة 40/8من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية وضعت قاعدة عامة في هذا الخصوص، حيث أحالت على المحكمة التي تم فيها إبرام عقد العمل، أو تنفيذه، أو التي يوجد فيها موطن المدعي، إلى بالنسبة لإنهاء أو تعليق عقد العمل بسبب حادث عمل فإن الاختصاص ينعقد لمحكمة موطن المدعي.

ب‌- الاختصاص الموضوعي: من حيث الموضوع تختص محكمة العمل في كل القضايا التي يحيلها عليها القانون صراحة، لاسيما:

-          الخلافات الفردية في العمل الناجمة عن تنفيذ أو توقيف أو قطع علاقة العمل، وعقد التكوين بالتمهين،

-          كافة القضايا الأخرى المحالة قانونا على المحكمة العمالية، لاسيما تلك المتعلقة بالضمان الاجتماعي.

   الفرع الرابع: إجراءات التقاضي: تخضع إجراءات التقاضي أما المحكمة العمالية للأحكام ذاتها المقررة بالنسبة لإجراءات التقاضي عموما، مع استثناء مرتبط باشتراط محضر عدم المصالحة، أو عدم المصالحة الجزئية كشرط لمباشرة الدعوى العمالية، حيث ترفع الدعوى بمقتضى عريضة مكتوبة تودع لدى كاتب الضبط للمحكمة المختصة، أو الإدلاء بأقوال لدى هذه الجهة، حيث يتكفل حينها كاتب الضبط بتحرير محضر بأقوال المدعي، و تقيد الدعوى المرفوعة إلى المحكمة حالا تبعا لترتيب ورودها مع بيان أسماء الأطراف و رقم القضية و تاريخ الجلسة، ثم يرسل بعد ذلك تكليف بالحضور إلى المعنيين بالأمر، فإذا لم يحضر المدعي أو ممثله بدون عذر مقبول و رغم صحة التبليغ يتم شطب الدعوى، أما إذا لم يحضر المدعى عليه بدون عذر مقبول و رغم صحة التبليغ فيقضى في غيابه، و في حالة ما إذا كان غيابه مبررا فيستدعى من جديد.

   إن الطابع الاستعجالي لقضايا العمل دفع المشرع إلى تحديد الجلسة الأولى للنظر أو الفصل في المنازعة في مدة لا تتجاوز 15 يوما من تاريخ توجيه العريضة الافتتاحية، و أن تصدر حكمها في أقرب وقت ممكن، باستثناء حالات إصدار أحكام تمهيدية أو تحضيرية، مثل تعيين خبير، و فيما يتعلق بإعادة السير في الدعوى في حالة وفاة المدعي أو المدعى عليه، فللورثة حق مواصلة السير في الدعوى إلا أن تكون مهيأة للفصل فيها.

   الفرع الخامس: طبيعة الأحكام الابتدائية و كيفيات تنفيذها: يمكن لتمييز بصدد الأحكام الابتدائية بين ثلاث فئات:

1- أحكام ابتدائية نهائية: حيث لا يجوز الطعن فيها بأي من أوجه الطعن، سواء العادية أو غير العادية، و من أمثلة هذه الأحكام ما تضمنته المادة 21 من قانون 90/04، و التي تتضمن:

-          إلغاء العقوبات التأديبية غير الإجرائية،

-          الدعاوى الخاصة بتسليم شهادات العمل،

-          الدعاوى الخاصة بكشف الرواتب.

2- أحكام ابتدائية قابلة للنفاذ المعجل: حيث تنفذ هذه الفئة من الأحكام رغم قابليتها للطعن، و تتضمن على الخصوص:

-          الإنهاء التعسفي لعقد العمل،

-          تطبيق أو تفسير اتفاقية أو اتفاق جماعي للعمل،

-          تطبيق أو تفسير كل اتفاق مبرم في إطار الإجراءات الخاصة بالمصالحة،

-          دفع الرواتب و التعويضات الخاصة بالستة أشهر الأخيرة،

-          حالة احتلال العمال لأماكن العمل، و إن تعلقت هذه الحالة بالقضاء الاستعجالي.

3-  الأحكام العادية: و هي الأحكام القابلة لطرق المراجعة العادية و غير العادية، و التي لا يمكن تنفيذها إلا بعد استنفاذ كافة الإجراءات المقررة صراحة للمتقاضين، أي بعد حصول الحكم على حجية الشيء المقضي فيه، حيث تمنح للخصوم مهل للمراجعة و الاستئناف.

   الفرع الثالث: الدعوى النقابية: يمتد الحق في التقاضي إضافة إلى العامل و رب العمل، إلى المنظمات النقابية الممثلة للعمال، باعتبار أن القانون أثبت لها أهلية التقاضي حسبما جاء في المادة 90/14 المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي، و على هذا الأساس فإن المنظمة النقابية، و إضافة إلى اعتبارها شخص معنوي له شخصية مستقلة عن شخصية أعضائه القانونية، و يملك حق التقاضي في النزاعات التي تمس مصالحه سواء قبل المنظمات النقابية الأخرى، أو قبل أرباب العمل، فإنه يمكنها تمثيل أعضائها في مصالحهم الفردية وفق ما هو معروف إجرائيا بدعوى المصالح الفردية، لاسيما إذا كانوا ممثلين نقابيين، و هذا خروجا عن القواعد العامة التي لا يجوز بمقتضاها رفع الدعوى القضائية إلى لمن يحوز مصلحة، و في هذا الشأن يمكن للمنظمة النقابية أن تتأسس لمصلحة أعضائها المادية و المعنوية، باعتبار الدفاع عن هذه المصالح هو السبب في وجودها.

 

Partager cet article
Repost0
14 janvier 2012 6 14 /01 /janvier /2012 09:00

     مقدمة عامة:

     يقصد بالمنافسة وضعية تنافس اقتصادي بين مؤسسات متميزة بصدد عرض نفس المنتج السلعي أو الخدمي داخل سوق واحد، تلبية للحاجات ذاتها، على أن تكون لكل مؤسسة نفس الحظ من الربح أو الخسارة، و هي الوضعية التي تقابل وضعية الاحتكار، سواء كان هذا الاحتكار لمصلحة الدولة، حيث لا يمكن في هذا الوضع إعمال قواعد المنافسة، و لكن قواعد التخطيط، أو كان الاحتكار أو شبه الاحتكار لمصلحة مؤسسة خاصة، فنكون أما وضعية هيمنة اقتصادية لا تتحقق معها ظروف المنافسة الحرة، و على هذا الأساس يكون المقصود بقانون المنافسة مجموعة الأحكام القانونية و التنظيمية المطبقة على المؤسسات في إطار نشاطاتها داخل السوق، و التي يكون الغرض منها ضبط التنافس فيما بينها.

    الجدير بالملاحظة أن السوق بمفهوم قانون المنافسة ليس هو السوق بالمفهوم المكاني الذي يعني الأمكنة المعدة لممارسة التجارة، و إنما هو ذاته السوق بالمفهوم الاقتصادي، والذي يعني حسب المادة الثالثة/ب من الأمر 03/03 الموافق عليه بالقانون 03/12: "كل سوق للسلع أو الخدمات المعنية بممارسات مقيدة للمنافسة، و كذا تلك التي يعتبرها المستهلك متماثلة أو تعويضية، لاسيما بسبب مميزاتها و أسعارها، و الاستعمال الذي خصصت له، و المنطقة الجغرافية التي تعرض المؤسسات فيها السلع أو الخدمات المعنية"، كما ينبغي عدم الخلط بين قانون المنافسة ، و قانون حماية المستهلك ، حيث أن مجال هذا الأخير هو تنظيم العلاقات التي تنشأ فيما بين المؤسسة من جهة، و المستهلك من جهة ثانية، بما يتضمنه من أحكام حمائية لمصلحة المستهلك، بينما مجال تدخل قانون المنافسة هو العلاقات بين المؤسسات فيما بينها داخل السوق الواحد، حتى و إن التقى القانونان في بعض المواضع، حيث أن المنافسة الحرة التي يضمنها قانون المنافسة في حد ذاتها سوف تصب في مصلحة المستهلك وفق رأي المدرسة الاقتصادية الليبرالية، من حيث إسهامها في تحقيق أحسن تناسب بين الثمن و الجودة، كما أن بعض الأحكام التي هي من صميم قانون حماية المستهلك من شأنها دعم نزاهة المنافسة، كما هو الشأن بالنسبة للإعلام بالأسعار و التعريفات شروط البيع المنصوص عليها في القانون 04/02 المتضمن القواعد المطبقة على الممارسات التجارية.

 

      الفصل الأول: مفهوم قانون المنافسة:

     يقتضي بيان مفهوم قانون المنافسة التطرق إلى نشأة هذا الفرع من القانون، سواء على المستوى الدولي، أو  الداخلي، ثم بيان مصادره، و أخيرا مبررات  وجوده كفرع مستقل.

    المبحث الأول: نشأة و تطور قانون المنافسة

    يقع التمييز بصدد نشأة و تطور قانون المنافسة بين الوضع على المستوى الدولي، ثم الوضع بالنسبة للجزائر.

    المطلب الأول: نشأة و تطور قانون المنافسة على المستوى الدولي:

    يمكن الرجوع بظهور أولى بوادر قانون المنافسة إلى نهايات القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة، و هي فترة بداية صدور القوانين التي تحظر الممارسات الاحتكارية و المتنافية مع حرية المنافسة، و هي بالخصوص ثلاثة قوانين، عرفت بقوانين حظر التجمعات الاحتكارية Lois anti-trust، فصدر سنة 1896ما أضحى يعرف بقانون شارمان Sherman act الذي يحظر الاحتكار، ثم قانون كلايتون Clayton act سنة 1914 و الذي يحظر اللجوء للأسعار التمييزية، و بمقتضاه صدر في ذات السنة القانون المؤسس للجنة التجارة الفيدراليةFederal trade commission act  الذي يحظر اللجوء لأعمال المنافسة غير المشروعة.

    أما في أوروبا فإن قانون المنافسة يعد أكثر حداثة، على اعتبار أنه متزامن مع إنشاء السوق الأوروبية المشتركة سنة 1958 بمقتضى اتفاقية روما لسنة 1957، و إن تأخر بالنسبة للقانون الفرنسي حتى سنة 1986، و هي سنة صدور أمر 1 ديسمبر، الذي أدمج ضمن المواد 410 و ما يليها من القانون التجاري الفرنسي، حتى و إن كان القضاء الفرنسي قد عرف دعوى المنافسة غير المشروعة قبل هذا التاريخ، من خلال دعوى المنافسة غير المشروعة تأسيسا على مبادئ المسؤولية التقصيرية، و أحكام المسؤولية الجنائية لاسيما فيما يتعلق بتحويل العملاء عن طريق تقليد المنتوج أو العلامة التجارية للمتعامل المنافس.  

 

    المطلب الثاني: نشأة و تطور قانون المنافسة في الجزائر:

    يرتبط ظهور قانون المنافسة في الأنظمة القانونية عموما بانتهاج اقتصاد حر تكون المنافسة داخله إحدى أهم مقوماته، و على هذا الأساس لم يكن من المتوقع ظهور قانون للمنافسة في الجزائر خلال مرحلة ما قبل تسعينات القرن الماضي، على اعتبار سيادة المذهب الاشتراكي، و بالتالي نظام اقتصادي احتكاري، تزاول من خلاله الدولة نشاط التوزيع و الإنتاج دون مزاحمة من الكيانات الاقتصادية الخاصة، و عليه لم يظهر أول قوانين المنافسة في الجزائر إلا سنة 1995 من خلال القانون 95-06 المؤرخ في 25 جانفي 1995 المتعلق بالمنافسة، إلا أن هذا القانون ألغي و عوض بالقانون 03-03 المؤرخ في 19 يوليو 2003، حيث يلاحظ أن المشرع الجزائري فصل بمقتضى                  هذا القانون بين الممارسات التجارية التي أفرد لها قانونا خاصا يتمثل في القانون 04-02 المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية، و خصص قانون المنافسة للأحكام المتعلقة بمبادئ المنافسة، و مجلس المنافسة.

      المبحث الثاني: مضمون قانون المنافسة و غايته:

     يعد قانون المنافسة أحد مظاهر التنظيم الحر للاقتصاد، بما يفترض معه من الحرية التنافسية بين الأعوان الاقتصاديين، و حرية الوصول إلى العملاء، لكن هذا الوضع لا يتحقق في الواقع إلا إذا كانت شروط المنافسة المثالية متاحة لجميع الأعوان الاقتصاديين، لاسيما حرية الدخول للسوق، و نزاهة الممارسة التجارية و الصناعية، و تماثل شروطها بالنسبة لجميع الكيانات المتنافسة، و هي الشروط التي لا يمكن أن تتحقق في الواقع، ما يدعو إلى تدخل الدولة بغرض ضبط العلاقة بين الأعوان الاقتصاديين المتنافسين من خلال أحكام قانونية ذات مضامين و غايات متعددة.

      المطلب الأول: مضمون قانون المنافسة:

      يتطلب ضمان أقل قدر من شروط المنافسة الحرة تدخل المشرع بهدف تصحيح بعض الوضعيات التي من شأن استمرارها أن يخل بالمساواة بين الأعوان الاقتصاديين داخل السوق في الوصول إلى العملاء، و يتحقق هذا التدخل من خلال فئتين من الأحكام: موضوعية و شكلية.

    الفرع الأول: المضمون الموضوعي لقانون المنافسة:

    إن قانون المنافسة وفقا لهذا الاعتبار هو قانون ضبط سلوكيات الأعوان الاقتصاديين داخل السوق من خلال حظر الممارسات التي من شأنها عرقلة لعبة المنافسة الحرة، و ينطبق هذا الأمر بالنسبة لحظر الممارسات المقيدة للمنافسة، و من بينها ما هو منصوص عليه بمقتضى المادة 6 من قانون 03/03 لاسيما عرقلة تحديد الأسعار حسب قواعد السوق بالتشجيع المصطنع لارتفاع الأسعار من خلا الاحتكار، أو انخفاضها من خلال الإغراق، و كذا الممارسات التمييزية Pratiques discriminatoires المتمثلة خصوصا في تطبيق شروط غير متكافئة لنفس الخدمات تجاه الشركاء التجاريين، و الأعمال المضيقة للمنافسةPratiques restrictives de la concurrence  المتمثلة خصوصا في الحد من الدخول في السوق أو في ممارسة النشاطات التجارية، و كذلك بالنسبة لمراقبة التجميعات الاقتصادية concentrations économiques Contrôle des و حظرها في حال ما إذا ترتب عنها تضييقا من محال المنافسة.

    الفرع الثاني: المضمون الشكلي لقانون المنافسة 

    يتضمن قانون المنافسة -إلى جانب التدخل لأجل ضبط سلوكيات الأعوان الاقتصاديين- أحكاما تعنى بالجوانب الهيكلية في تنظيم المنافسة، و يظهر ذلك من خلال إنشاء مجلس المنافسة باعتباره السلطة الإدارية المخولة لضمان السير الحسن للمنافسة و تشجيعها، من خلال تمكينه من بعض السلطات لاسيما الرقابة على التجميعات الاقتصادية و مدى أثرها على لعبة المنافسة، و كذلك إمكانية إبداء الرأي في بعض المسائل المرتبطة بالمنافسة لاسيما النصوص التنظيمية، و معالجة القضايا المتعلقة بالممارسات المقيدة للمنافسة، إلى جانب سلطة التحقيق في مدى تطبيق النصوص القانونية و التنظيمية المتعلقة بالمنافسة.

    المطلب الثاني: غايات قانون المنافسة:  

    لا يتوقف قانون المنافسة عند غايته الأصيلة في حماية المنافسة داخل السوق، و إنما يمتد أثره إلى حماية الكيانات الاقتصادية المتنافسة، و حماية المستهلك.

    الفرع الأول: حماية المنافسة:

    تظهر أهمية قانون المنافسة في حماية مبدأ المنافسة الحرة في ذاته، بما يستتبعه ذلك من حماية السوق باعتباره مجال هذه المنافسة، و تظهر هذه الحماية من خلال حظر الممارسات المقيدة للمنافسة و المتضمنة في الفصل الثاني من القانون 03/03، حيث أن الحظر وارد على هذه الممارسات بغض النظر عن آثارها الفعلية على السوق، و هو الأمر الذي يمكن استخلاصه من نص المادة 6 من قان ن المنافسة: "تحظر الممارسات و الأعمال المدبرة ز الاتفاقيات و الاتفاقات الصريحة أو الضمنية عندما تهدف أو يمكن أن تهدف إلى عرقلة حرية المنافسة أو الحد منها أو الإخلال بها في نفس السوق أو في جزء جوهري منه..."

     الفرع الثاني: حماية المتنافسين:

    تتحقق من خلال حماية المشرع لمبدأ المنافسة الحرة حماية الأعوان الاقتصاديين داخل السوق، لاسيما أمام بعض التصرفات التي حظرها المشرع، و يدخل في هذا الإطار حظر التعسف الناتج عن وضعية الهيمنة الاقتصادية مثلما ورد النص عليها بمقتضى المادة 7 من قانون المنافسة، و التعسف في استغلال وضعية التبعية الاقتصادية و التي قد تأخذ العديد من الأشكال أوردتها المادة 11 من قانون المنافسة، و تتمثل على الخصوص في رفض البيع بدون مبرر شرعي، البيع المتلازم أو التمييزي، البيع المشروط باقتناء كمية دنيا، الإلزام بإعادة البيع بسعر أدنى، و قطع العلاقة التجارية لمجرد رفض المتعامل الخضوع لشروط تجارية غير مبررة.  

     الفرع الثالث: حماية المستهلك:

    يختلف قانون المنافسة عن قانون حماية المستهلك في مجال إعمال كليهما، حيث يتحدد مجال قانون المنافسة في ضبط العلاقات فيما بين الأعوان الاقتصاديين داخل السوق، أما قانون حماية المستهلك فيضبط علاقات المحترفين بالمستهلكين، غير أن حماية المنافسة أو المؤسسات داخل السوق قد تستتبع بالضرورة حماية المستهلك، و يتضح ذلك من خلال حظر عمليات الاحتكار بهدف رفع الأسعار، و البيع بخسارة التي قد تعرقل لعبة المنافسة، و بما قد يؤدي إلى انسحاب الأعوان الاقتصاديين الأقل قدرة اقتصادية، و بالتالي هيمنة الأعوان الاقتصاديين الأكثر قدرة على السوق، بما يستتبعه ذلك من معاودة ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر اقتصاديا.

     المبحث الثالث: مصادر قانون المنافسة:

    لا يختلف قانون المنافسة من حيث مصادره الرسمية عن غيره من فروع القانون في المنظومة القانونية الجزائرية، حتى و إن كان للمصادر الدولية في مجال المنافسة و الأعمال عموما دور جوهري، و عليه أمكن التمييز بصدد مصادر قانون المنافسة بين المصادر الوطنية، و المصادر الدولية.

    المطلب الأول: المصادر الوطنية لقانون المنافسة:  

    بالرغم من أن المشرع الجزائري أفرد للمنافسة قانونا خاصا من خلال القانون 03/03 المتعلق بالمنافسة، إلا أن تعدد مضامين هذا الفرع من القانون يجعل من الممكن امتداده إلى نصوص أخرى ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي و التعاقدي، و يمكن أن نشير في هذا الخصوص إلى إعمال قواعد النظرية العامة للالتزامات لاسيما منها أحكام المسؤولية المدنية، كما أن القانون التجاري باعتباره الإطار القانوني العام للنشاط التجاري الممارس من قبل الأعوان الاقتصاديين، كما لا يمكن في هذا الشأن إغفال القانون 04/02 المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية، خاصة في أحكامه المتعلقة بنزاهة الممارسات التجارية، و تنظيمه للأسعار، و الشأن ذاته بالنسبة للأمر 03/04 المتعلق بالقواعد العامة المطبقة على عمليات استيراد البضائع و تصديرها.

    المطلب الثاني: المصادر الدولية:

    يقصد بالمصادر الدولية في هذا الخصوص الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمجال الأعمال عموما، لاسيما اتفاقيات الشراكة، و الأسواق المشتركة، و في هذا الشأن تنبغي الإشارة إلى أهمية الاتفاقية المتوسطية المنشئة للشراكة الجزائرية الأوروبية الموقعة بفالنسيا بتاريخ 22 أفريل 2002، المصادق عليها من طرف الجزائر بتاريخ 27 أفريل 2005،  و التي تم بموجبها إنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر و المجموعة الأوربية، بما يعنيه ذلك من اندماج السوق الجزائري –باعتباره فضاء للمنافسة- ضمن السوق الأوروبي، و الأمر ذاته بالنسبة للسوق العربية المشتركة، حتى وإن لم يكتمل هيكله القانوني بالنسبة للجزائر.

    الفصل الثاني: مجال تطبيق قانون المنافسة:

    يتحدد مجال تطبيق قانون المنافسة بالاستناد إلى معيارين: أولهما النشاط الاقتصادي، و ثانيهما مرتبط بطبيعة الممارسات في حد ذاتها.

     المبحث الأول: مجال تطبيق قانون المنافسة من حيث النشاط الاقتصادي:

      إن فكرة النشاط الاقتصادي التي أقرتها المادة 2 من قانون المنافسة لا تعني بالضرورة أن يكون ثمة مقابل مالي  للنشاط، و تكون العبرة في مدى تأثير النشاط على سوق السلعة و الخدمة، من ذلك ما ذهب إليه القضاء في فرنسا من أن "إعارة الشركات المنتجة للوقود لموزعي منتجاتها المعتمدين خزانات الوقود بدون مقابل مالي يخضع لأحكام الأمر المتضمن قانون المنافسة." بل أن مجال قانون المنافسة قد يمدد إلى تجمعات غير ربحية مثل النقابات و التعاونيات، متى كان لنشاطها تأثير على سوق الخدمة أو السلعة، مثلما هو الأمر بالنسبة لقرار تنظيم نقابي بمقاطعة بضاعة معينة، حيث قد يعتبر ذلك من الأعمال المدبرة حسب مفهوم المادة من القانون و التي قد تهدف إلى عرقلة حرية المنافسة أو الحد منها، أو الإخلال بها من خلال التأثير على مستوى الطلب، كما يعتبر من قبيل الأعمال المدبرة الاتفاقات المعقود بين المؤسسات الاستشفائية حول أسعار الخدمات الطبية، و عليه يكون معيار إعمال قانون المنافسة هو مدى تأثير النشاط الاقتصادي على السوق.

    إن القول بمعيار تأثير النشاط الاقتصادي على السوق كأساس لإعمال قواعد حماية المنافسة كفيل بإخراج بعض الأنشطة الاقتصادية من مجال الخضوع لقانون المنافسة متى لم تؤثر على السوق محل الحماية، و يدخل في هذا الإطار اتفاقات التصدير إذا كان محل الاتفاق موجها لغير السوق الوطنية، حتى و إن تم الاتفاق بين أعوان اقتصاديين وطنيين.  

     المبحث الثاني: مجال تطبيق قانون المنافسة من حيث الأشخاص

            أورد المشرع الجزائري من خلال المادة الثانية من قانون 03/03 بيان النشاطات المشمولة بمقتضيات القانون، حيث "يطبق هذا الأمر على نشاطات الإنتاج و التوزيع و الخدمات بما فيها تلك التي يقوم بها الأشخاص العموميون، إذا كانت لا تندرج ضمن إطار ممارسة صلاحيات السلطة العامة أو أداء مهام المرفق العام." و عليه يكون النشاط الاقتصادي الصرف، سواء الإنتاجي أو التوزيعي أو الخدمي هو العبرة عند تحديد مجال إعمال قانون المنافسة، بغض النظر عن طبيعة العون الاقتصادي الممارس لهذا النشاط، من حيث كونه شخصا خاصا أو عاما، فيما عدا الحالات التي يتدخل فيها هذا الأخير باعتباره سلطة عامة حسبما يتضح في قانون الصفقات العمومية في الكثير من الأحكام، كالامتيازات الممنوحة للمنتج الجزائري على حساب المنتجات الأجنبية، أو الشركات الجزائرية على حساب الشركات الأجنبية، و كذلك الأمر بالنسبة للاستثناءات المقررة قانونا لمصلحة دعم أسعار السلع للمنتجات واسعة الاستهلاك، أو التدابير المتضمنة تحديد هوامش الربح للسلع التي تعرف ارتفاعا مفرطا و غير مبرر لأسعارها مثلما ورد بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 5 من قانون 03/03 المعدلة بمقتضى المادة 4 من قانون 10/05 حيث: "... يمكن أن تحدد هوامش الربح و أسعار السلع و الخدمات أو الأصناف المتجانسة من السلع و الخدمات أو تسقيفها أو التصديق عليها عن طريق التنظيم..." بما من شأنه أن يشكل استثناء عن مبدأ حرية الأسعار و المنافسة الحرة.

     إن اصطلاح المؤسسة بمفهوم قانون المنافسة لا يمكن قصره على الأشخاص الطبيعية أو المعنوية الخاصة، بل يمتد إلى كل شخص يمارس نشاطات الإنتاج و التوزيع و الخدمات، حسب المفهوم الوارد في المادة 3 من قانون 03/03 متى ثبت قيامه بنشاط اقتصادي متمثل في منح سلعة أو تقديم خدمة داخل نطاق سوق معين، ما لم يتقرر ارتباط النشاط بمصلحة عامة، أو كان ضروريا لتحقيقها.

     الفصل الثاني: أحكام قانون المنافسة:

     يستند قانون المنافسة عموما إلى فكرة الحرية التنافسية، و التي يحاول المشرع تكريسها قانونيا من خلال أحكام تبتعد بالنشاط الاقتصادي عن التقييد، حتى و إن كانت الحرية المطلقة لا يمكن إعمالها بالنظر إلى ما يمكن أن تخلفه من آثار على مستوى السوق قد تحد من غاية إقرارها، و على هذا الأساس حاول المشرع تكييف هذه الأحكام مع خصوصيات بعض النشاطات و الأوضاع التي قد لا تحقق المنافسة الحرة غاياتها النهائية، و على هذا الأساس سوف نتطرق إلى أحكام المنافسة من خلال الغايات النهائية لهاته الأحكام، حيث يمكن التمييز بين تلك التي تهدف لتضييق المنافسة و حماية المؤسسة أمام المنافسة في حد ذاتها، و تلك التي تهدف إلى تكريس الحرية التنافسية بما يضمن حماية السوق

      المبحث الأول: الأحكام الخاصة بحماية المؤسسة:

     يعتبر عنصر العملاء جوهر نشاط أي مؤسسة و غاية وجودها، بحيث يقع التنافس بين المؤسسات داخل السوق لأجل إما المحافظة عليه، أو تحويل عملاء المؤسسات الأخرى بوسائل قد تكون مشروعة، كما يمكن أن تقع تحت طائلة حظر قانوني تكون غايته حماية مصالح المؤسسات المتضررة، و قد تتحقق حماية المؤسسة وفقا لهذا المنوال من خلال إما إبرام اتفاقات عدم المنافسة Conventions de non-concurrence أو حمايتها أمام المنافسة غير المشروعة Concurrence déloyale، أو ضد التطفل التجاري Parasitisme commercial.

     المطلب الأول: اتفاقات عدم المنافسة:

    نتطرق بصدد اتفاقات عدم المنافسة إلى بيان المقصود بها، و مجالها، ثم توضيح شروط نفاذها.

    الفرع الأول: التعريف باتفاقات عدم المنافسة

      يعتبر اتفاق عدم المنافسات من أهم مظاهر الخروج عن مبدأ حرية المقاولة و التعاقد، باعتباره اتفاق بين طرفين يلتزم بمقتضاه أحدهما بألا يمارس نشاطا محددا ينافس به نشاط الطرف الآخر، و يرد على الغالب النص عليه بمقتضى شرط ضمن عقد سابق بين الطرفين، و على هذا الأساس قد يسمى كذلك شرط عدم المنافسةClause de non-concurrence.          

       يتحقق شرط عدم المنافسة في العديد من الوضعيات، لاسيما عند التنازل عن المحلات التجارية، بحيث يغلب في مثل هذه الحالة أن يورد الطرفان شرط امتناع المحيل عن ممارسة النشاط ذاته ضمن حدود معينة، و لمدة متفق عليها، على أساس أن عنصر العملاء هو أهم عناصر المحل التجاري المتنازل عنها، و أن استمرار المحيل في تأدية النشاط ذاته داخل المنطقة نفسها كفيل بأن يحرم المالك الجديد من هذا العنصر بالنظر لاحتمال ارتباط هؤلاء العملاء بالمحيل، غير أن خطورة هدا الشرط بالنسبة لحرية المنافسة تستدعي القول بضرورة إخضاعه لجملة من الشروط، كما قد يتضمن عقد العمل مثل هذه الاشتراطات، و التي تسري بعد انقضاء العقد للحيلولة دون تحويل العامل لعملاء رب العمل بفضل سبق معرفته بهم، و الأمر ذاته بالنسبة لعقود التوزيع، لاسيما في عقد الترخيص التجاري Contrat de franchise، التمثيل التجاري Contrat de représentation commerciale، عقد الوكالة التجاريةContrat d’agence commerciale ، أو عقد الامتياز التجاري Contrat de concession commerciale.

     الفرع الثاني: شروط صحة اتفاق عدم المنافسة:

      إن خطورة اتفاقات عدم المنافسة على المنافسة أوجبت التدخل لأجل تقييدها بشروط، و تحديد تطبيقاتها بالحالات التي تستدعي حماية مصالح و حقوق المؤسسات التي قد تتضرر من حرية المنافسة.

     لا يمكن إعمال اتفاق المنافسة بشكل مطلق و دونما أية شروط، على اعتبار تعارض ذلك مع أهم عناصر الحرية الاقتصادية، و المتمثلة في حرية المقاولة، حسب ما يفهم من نص المادة 6 من القانون 03/03 التي اعتبرت "الحد من الدخول السوق أو في ممارسة النشاطات التجارية شكلا من الممارسات المقيدة للمنافسة، و إنما ينبغي أن يحدد مجال هذا الاتفاق بما هو لازم لحماية المؤسسة من التحويل غير المشروع لعملائهاProtection de l’entreprise contre le détournement illégal de sa clientèle .

     أسهم القضاء المقارن بشكل كبير في بلورة نظرية المنافسة غير المشروعة، و ذلك من خلال إقرار عديد الأحكام التي أضحت من المبادئ المستقر عليها في هذا الشأن، بحيث لا يمكن تقبل امتداد شرط أو اتفاق عدم المنافسة لمدى غير محدود، الأمر الذي قد يشكل تنازلا كاملا للمدين بالشرط عن حريته في التعاقد أو العمل، أو المقاولة، إذ من شأن ذلك أن يمثل خرقا لأبرز أشكال الحريات الاقتصادية، و في هذا الصدد يمكن أن نميز بين شرطين لصحة اتفاق عد المنافسة: تحديد مجال الاتفاق، و تبريره.

1-  تحديد اتفاق عدم المنافسة:

     المقصود بالتحديد وضع حيز زمني و مكاني لعدم ممارسة النشاط محل الاتفاق، يسترد خارجهما المدين بالشرط حريته في التعاقد و العمل و المقاولة، غير أن هذا الشرط يقع تحت رقابة القضاء من حيث تناسبه مع طبيعة المصالح المراد حمايتها، حيث لا ينبغي للشرط أن يمتد لأجل أطول مما تتطلبه مصلحة الدائن به، أو لمدى مبالغ فيه، و في هذا الشأن ذهب القضاء في فرنسا بمناسبة النظر فيما يعرف بقضية مركز المعالجة بمياه البحرAffaire du centre de thalassothérapie  حيث ورد في اتفاق التنازل عن أسهم المحيل في مركز خاص بالمعالجة بمياه البحر شرط امتناعه عن العمل في موضوع نشاط الشركة أو أي عمل مرتبط به، لاسيما تقديم الاستشارات في هذا المجال و لمدة 20 سنة، فألغت محكمة النقض الفرنسية هذا الشرط على أساس أن من نتائج الشرط عرقلة المدين به عن أي نشاط مرتبط باختصاصه المهني.  

2-   تبرير اتفاق عدم المنافسة:

     تتقرر غاية اتفاق عدم المنافسة بحماية مصالح الدائن لاسيما المرتبطة بعنصر العملاء، و عليه فلا يمكن له أن يتقرر بشكل مستقل، بل ينبغي أن يكون ملحقا بعقد رئيسي مثل عقد عمل، أو عقد توزيع، أو عقد تنازل عن محل تجاري، على أن تكون متناسبة و مرتبطة بالمصلحة المراد حمايتها، و في هذا الصدد يكون باطلا شرط عدم المنافسة إذا كان النشاط محل الاتفاق متميزا عن العقد الأصلي، مثل ما ذهب إليه القضاء الفرنسي من أن شرط عدم المنافسة الممتد لثلاثة سنوات، و لمدى ثلاثين كيلومترا الموقع على عاتق سائق سيارة الأجرة لفائدة شركة موضوعها الاجتماعي تقديم خدمات الاتصال بالزبائن لمصلحة سائقي سيارات الأجرة. 

     المطلب الثاني: المنافسة غير المشروعة:

      تقتضي حرية المنافسة فسح المجال أمام الأعوان الاقتصاديين للوصول إلى العملاء بكل الوسائل التسويقية أو القانونية المتاحة، ما لم يستند في ذلك إلى أساليب غير مشروعة، أو غير قانونية، و عليه فإن لحرية المنافسة حدودا ينبغي التوقف عندها، تتمثل على الخصوص في بعض الوضعيات لا تستجيب مع ما يفترض في الممارسة التجارية من نزاهة، كما أن المنافسة غير المشروعة إذا استوفت شروط تحققها يمكن لمن يأتيها أن يكون محل متابعة قضائية من خلال ما يعرف بدعوى المنافسة غير المشروعة.

     الفرع الأول: صور المنافسة غير المشروعة:

    يمكن في هذا الصدد التمييز بين أربعة صور للمنافسة غير المشروعة:

1-  تشويه سمعة العون الاقتصادي المنافس:

     ورد في المقطع الأول من نص المادة 27 من القانون 04/02 ضمن مجموع الممارسات التجارية غير النزيهة: "تشويه سمعة عون اقتصادي منافس بنشر معلومات سيئة تمس بشخصه أو بمنتوجاته أو خدماته..." و الظاهر أن الهدف من التشويه بالشكل المنصوص عليه في المادة السابقة هو تحويل الزبائن عن المنافس المتضرر بشكل غير مشروع، و هو الوضع الذي لا يتحقق إلا باستيفاء شروط يمكن تفصيلها فيما يلي:

 نشر معلومات مسيئة عن مؤسسة منافسة أو منتوجاتها أو خدماتها، و ذلك بغض النظر عن صدق هذه المعلومات، بحيث تكون العبرة بمدى تأثير هذه المعلومات على زبائن المنافس، مثل الإدعاء بأن المؤسسة لا تحترم شروط النظافة، أو أن أسعار خدماتها مرتفعة، أو أنها مدعى عليها في دعوى تقليد علامة تجارية، كما أن التشويه قد يتحقق إيجابا بنشر المعلومات بين الزبائن و العملاء، أو بشكل سلبي مثل السكوت عن تساؤل أحد العملاء حول حقيقة ما يشاع عن عدم احترام المنافس لشروط النظافة.

 التشهير: و المقصود به نشر المعلومات بين العموم، أو النية في نشرها بين العموم، أما إذا قدمت المعلومات بشكل خاص، أو من خلال الهاتف بما لا يفهم منه الرغبة في نشرها بين العموم فإن التشويه لا يتحقق في هذا الوضع.

 ينبغي أن تخص المعلومات منافسا بذاته، أما المعلومات المقدمة بشكل عام فلا يمكن لها أن تعد تشويها، غير أنه لا يشترط التعيين الصريح للمؤسسة المعنية بالمعلومات المشوهة، حيث يكون الإيحاء كافيا إذا ما كان لم يكن ثمة مجال للشك في المؤسسة المقصودة بالمعلومات.

 ينبغي لهذه المعلومات أن تخص مؤسسة منافسة و إلا لم تتحقق شروط التشويه باعتباره منافسة غير مشروعة.

     لعل من أكثر أشكال التشويه الشائعة هو الإشهار القائم على المقارنة Publicité comparative، حيث يقوم العون الاقتصادي بالمقارنة بين منتجاته أو خدماته و منتجات أو خدمات مؤسسة منافسة، لاسيما من حيث درجة الجودة، أما من حيث السعر فإن مقتضيات شفافية الأسعار باعتبارها إحدى مقومات حرية المنافسة قد تحول دون إصباغ الإشهار في هذه الحالة بصبغة التشويه، و هو المذهب الذي اعتمدته محكمة النقض الفرنسية بمناسبة ما يعرف بقضية كارفور Affaire carrefour.

2-  زرع الشكوك في ذهن المستهلك حول هوية المؤسسة:

     ورد بيان هذه الحالة في المقطع الثاني من المادة من المادة 27 من القانون 04/02 سالفة الذكر، حيث أقحم المشرع ضمن الممارسات التجارية غير النزيهة: "تقليد العلامات المميزة لعون اقتصادي منافس أو تقليد منتوجاته أو خدماته أو الإشهار الذي يقوم به، قصد كسب زبائن هذا العون إليه بزرع شكوك و أوهام في ذهن لمستهلك." فيكون على هذا زرع الشك في ذهن المستهلك هو النقيض لتشويه سمعة العون الاقتصادي، و يتحقق من خلال قيام العون الاقتصادي بالظهور بمظهر العون الاقتصادي المنافس عن طريق تقليد علامته التجارية أو اسمه التجاري أو أي عنصر من عناصر الملكية الصناعية، و في هذا الصدد ينبغي التنبيه أن زرع الشكوك في ذهن المستهلك بهذا المفهوم من حيث مواجهته يختلف بالنظر إلى كون حقوق الملكية الصناعية مسجلة أو غير مسجلة، فإذا كانت هذه الحقوق مسجلة فإنها تحظى بحماية مضاعفة، حيث يمكن أن تكون محل دعويين مستقلتين: دعوى تقليد العلامة التجارية، و دعوى المنافسة غير المشروعة، أما إذا كانت العلامة غير مسجلة فال يستفيد العون الاقتصادي المتضرر إلى من دعوى المنافسة غير المشروعة.

3-  إحداث خلل في تنظيم المؤسسة المنافسة:

     ورد في المقطع 5 من المادة 27 سالفة الذكر ضمن حالات الممارسات التجارية غير النزيهة: "إحداث خلل في تنظيم عون اقتصادي منافس، و تحويل زبائنه باستعمال طرق غير نزيهة، كتبديد أو تخريب وسائله الإشهارية، و اختلاس البطاقيات أو الطلبيات، و السمسرة غير القانونية، و إحداث اضطراب بشبكته للبيع." و يستوي أن تترتب هذه الأعمال بشكل مقصود أو غير مقصود، إذ أن العبرة في ذلك بتأثيرها على القوة التجارية للمنافس بما قد ينشأ عنه تحويل للزبائن لكن بكيفية غير مشروعة، حيث أن الأصل أن الزبائن ليسوا ملكا لأحد، و أنهم يرتبطون بالمؤسسة الأكثر قدرة في لحظة معينة على جلبهم، غير أن جلب الزبائن بوسائل غير نزيهة هو الذي يكون محل حظر، حتى و إن كانت هذه الوسائل غير محددة بشكل دقيق، إلى أنه يمكن لنا تمييز أهمها:

أ‌-      جلب عمال المؤسسة المنافسة: لا ينبغي لحرية المنافسة أن تكون سببا لإلغاء حرية العمل بالنسبة للعمال، بحيث يمكنهم الانتقال إلى مناصب أخرى قد يمنحون فيها شروط عمل أفضل، و هو الأمر ذاته بالنسبة للمؤسسة المشغلة، بحيث تقوم بالبحث عن العمال المهرة لأجل تحسين مركزها التنافسي داخل السوق، غير أن استمالة عمال مرتبطين بمؤسسة منافسة بمقتضى شرط عدم منافسة هو ما يمكن أن يمثل شكلا من المنافسة غير المشروعة، كما أن التوظيف المكثف لعمال مصلحة معينة أو ورشة بذاتها تابعة لمؤسسة منافسة من شأنه التأثير على قدرة هذه الأخيرة داخل السوق، أو حتى الاكتفاء بتوجيه طلب لتشغيلهم، بما يعني إحداث خلل في نظامها، و إن كانت هذه المسألة تخضع في تقييمها لقضاة الموضوع من حيث تأثيرها على المساواة التنافسية على المؤسسات المتنافسة.

ب‌- إحداث خلل في نظام إنتاج مؤسسة منافسة: يتحقق الخلل في هذه الحالة من خلال استعمال عون اقتصادي لوسائل غير مشروعة لأجل الحصول على المعارف المهنية و طرق الصنع، و نظم الإنتاج لعون اقتصادي منافس عن طريق الحيلة ومثل القرصنة الصناعية، غير أن استعمال المعارف  المهنية و طرق الصنع، و نظم الإنتاج لا يمكن أن يكون سببا لرفع دعوى المنافسة غير المشروعة إذا تولى العون الاقتصادي المتضرر ذاته نشرها أو الإفصاح عنها و تعميمها، و الملاحظ في هذا الشأن أن المقصود في ذلك ليس حقوق الملكية الفكرية و الصناعية التي تحظى بحماية قانونية بفضل تسجيلها، حيث لا يتعلق الأمر في حال الاعتداء عليها بدعوى المنافسة المشروعة، و لكن بدعوى حماية حقوق الملكية الفكرية و الصناعية.  

4-  إحداث خلل في السوق بوجه عام:

   إن ما يميز إحداث الخلل في السوق بشكل عام عن إحداث الخلل في تنظيم مؤسسة منافسة، أنه في الحالة الأولى لا تكون الأفعال غير المشروعة التي يأتيها العون المسؤول عن الخلل موجهة لمؤسسة بعينها، على خلاف الحالة الأولى، و إنما يلحق الضرر كل المؤسسات داخل السوق، و هو الأمر المنصوص عليه بمقتضى المادة 27/7 من القانون المتضمن القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، حيث جاء فيها ضمن الممارسات التجارية غير النزيهة: "الإخلال بتنظيم السوق و إحداث اضطرابات فيها، بمخالفة القوانين و/أو المحظورات الشرعية، و على وجه الخصوص التهرب من الالتزامات و الشروط الضرورية لتكوين نشاط أو ممارسته و إقامته." و يتحقق هذا الوضع من خلال بعض الممارسات المحظورة قانونا، لاسيما تلك المنصوص عليها في المادة 19 من القانون السالف الذكر، و المتعلقة بإعادة بيع السلع بثمن أقل من سعر التكلفة الحقيقي المتضمن سعر الشراء و الرسوم و النقل، و الأمر ذاته بالنسبة للإشهار التجاري التضليلي حسب ما هو منظم في المادة 28 من ذات القانون، و على العموم يدخل ضمن نطاق الأعمال المخلة بتنظيم السوق كل الممارسات غير القانونية التي تكون الغاية منها تحويل غير مشروع للزبائن داخل السوق بما في ذلك التهرب الضريبي الذي من شأنه التأثير في مبدأ المساواة بين المؤسسات المتنافسة.

الفرع الثاني: دعوى المنافسة غير المشروعة: ما تجدر الإشارة إليه بالنسبة لدعوى المنافسة غير المشروعة هو تحديد طبيعتها القانونية من جهة، و من جهة ثانية شروط و إجراءات تحريكها.

1-  الطبيعة القانونية لدعوى المنافسة غير المشروعة:

   انقسم الفقه بصدد تحديد الطبيعة القانونية لدعوى المنافسة غير المشروعة فئتين، تعتقد أولاهما باستقلاليتها عن غيرها من الدعاوى، بينما تذهب الفئة الثانية إلى الاعتقاد بأنها شكل من دعوى المسؤولية التقصيرية.

أ‌-     دعوى المنافسة غير المشروعة دعوى مستقلة بذاتها: يقف الفقيهان الفرنسيان Roubier و  Ripert موقفا ينظر من خلاله إلى دعوى المنافسة غير المشروعة على أنها مستقلة بذاتها عن غيرها من الدعاوى، لاسيما دعوى المسؤولية التقصيرية، و مرد هذه الخصوصية الاعتقاد بأن غاية دعوى المنافسة غير المشروعة ليس جبر الضرر مثلما هو الحال بالنسبة لدعوى المسؤولية التقصيرية، و إنما استرجاع عنصر الزبائن باعتباره من ضمن عناصر المحل التجاري، و معاقبة المؤسسة المتنافسة عن الممارسات المتنافية مع نزاهة الممارسات التجارية، و الكف عنها.

ب‌- دعوى المنافسة غير المشروعة شكل من دعاوى المسؤولية التقصيرية: يذهب أنصار هذا الموقف، لاسيما الفقيه Blaise إلى أن ما يقوم عليه الموقف الأول قاصر بالنظر إلى أن عنصر الزبائن لا يمكن أن يكون مختلطا بالمحل التجاري، بل مجرد عنصر من عناصره، قابل للتغيير، بحيث لا يرتبط الزبائن به إلى ارتباطا مؤقتا، و إلى كان الأمر مدعاة لإلغاء المنافسة في ذاتها، حتى و إن كان القول بخصوصية دعوى المنافسة غير المشروعة جائز، لاسيما في ما يتعلق بارتباطها بالممارسات التجارية غير النزيهة، إلى أن هذه الخصوصية لا تكون مسوغا للقول باستقلاليتها عن دعوى المسؤولية التقصيرية، و هو الموقف الذي يدعمه القضاء الفرنسي الذي يخضع دعوى المنافسة غير المشروعة لنص المادة 1382 من القانون المدني المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية، حتى و إن تعامل مع هذا النوع من الدعاوى بمراعاة خصوصيتها.   

2-  شروط دعوى المنافسة غير المشروعة: يشترط موضوعيا لتحقق المنافسة غير المشروعة توافر شروط المسؤولية التقصيرية من خطأ و ضرر و علاقة سببية بينهما.

أ‌-     الخطأ: يتمثل الخطأ بالنسبة لدعوى المنافسة غير المشروعة في الممارسة غير النزيهة و المخالفة للأعراف التجارية، سواء كان مقصودا أو ناجما عن عدم حيطة و حذر، و عليه ينبغي التمييز في هذا الوضع بين دعوى المنافسة غير المشروعة، و القائمة على أساس المسؤولية التقصيرية، و دعوى عدم المنافسة المستندة إلى المسؤولية التعاقدية لارتباط عدم المنافسة باتفاق بين الطرفين.

ب‌- الضرر: يتمثل الضرر في فقدان العون الاقتصادي المتضرر لميزة اقتصادية جراء الخطأ الذي أتاه العون المسؤول،  مثل فقدانه جزء من عنصر الزبائن حوله العون المنافس لمصلحته بدون وجه حق، و الذي يترجم بانخفاض في رقم الأعمال، كما يمكن أن يتحقق الضرر من خلال حرمان العون الاقتصادي المتضرر من إمكانية رفع عدد الزبائن، الذي يؤدي بالضرورة إلى رفع رقم الأعمال، و هو ما يقابل في النظرية العامة تفويت الفرصة، على أن يكون ذلك محقق الحدوث، كما أن خصوصية دعوى المنافسة غير المشروعة قد تظهر في هذه الحالة بالنظر لتضمن القرار القضائي الكف عن المنافسة غير المشروعة، و لبس مجرد التعويض عن الضرر.

ت‌- علاقة السببية: بالرغم من صعوبة التثبت من علاقة السببية بين الخطأ و الضرر بمناسبة دعوى المنافسة غير المشروعة إلا أن القضاء بشكل عام يربط على الغالب بين تحقق شروط المنافسة غير المشروعة  و انخفاض رقم الأعمال، حتى و إن كان تقدير الضرر في هذا الوضع لا يخضع لمقياس محدد، حيث يمكن للقضاء الأخذ بمعيار انخفاض رقم الأعمال للعون المتضرر، أو يستند إلى الأرباح التي حققها العون المدين.                           

3-  تحريك دعوى المنافسة غير المشروعة:

   ينبغي التطرق بصدد تحريك دعوى المنافسة إلى مسائل ثلاث: من يحق له رفع دعوى المنافسة غير المشروعة، المحكمة المختصة بالنظر في دعوى المنافسة غير المشروعة، و مضمون القرار القضائي الصادر بصدد دعوى المنافسة غير المشروعة.

أ‌-      المدعي في دعوى المنافسة غير المشروعة: الأصل في الدعوى القضائية عموما أن يرفعها كل ذي مصلحة، و بخصوص دعوى المنافسة غير المشروعة فلا يتصور أن يتضرر من المنافسة غير المشروعة إلا العون الاقتصادي المتضرر، و الذي يهدف قانون المنافسة لحمايته، مثل أن يتعرض لتشويه سمعته من طرف عون اقتصادي منافس، على اعتبار أن تشويه سمعة عون منافس صورة من صور المنافسة غير المشروعة، إلا أنه لا يشترط في هذا الخصوص في المتضرر أن تتوفر فيه صفة التاجر، حيث تكون العبرة ممارسة نشاط اقتصادي مهما كانت طبيعته، فيدخل في هذا الإطار ممارسو المهن الحرفية على الرغم من عدم اكتسابهم صفة التاجر متى ثبت ارتباطهم بالسوق المعني، و تأثرهم اقتصاديا بممارسات العون الاقتصادي المنافس غير المشروعة تنافسيا، غير أنه لا يمكن للأشخاص غير المعنيين بالسوق محل المنافسة رفع دعوى المنافسة غير المشروعة، مثلما هو الشأن بالنسبة لعمال لأجراء العون الاقتصادي المتضرر، و الأمر ذاته بالنسبة لزبائن هذا الأخير، أو المستهلكين بوجه عام.

ب‌- المحكمة المختصة في نظر دعوى المنافسة غير المشروعة: الأصل بالنسبة للاختصاص القضائي بصدد دعوى المنافسة غير المشروعة أن ينعقد لمصلح.ة القسم التجاري بالمحكمة على اعتبار أنها المختصة في نظر المنازعات التجارية حسب نص المادة 531 من قانون الإجراءات المدنيـة و الإدارية، فالغالب على الأعوان الاقتصاديين أن تثبت لهم صفة التاجر، غير أن الاستثناء قد يتحقق في بعض الحالات التي يصح فيها رفع الدعوى من قبل شخص لا يكتسب صفة التاجر، مثل الحرفيين، أو الشركات المدنية، أو أصحاب المهن الحرة، حيث يؤول الاختصاص في هذه الحالة للقسم المدني.

 ت- مضمون القرارات القضائية: يمكن التمييز بصدد طبيعة القرارات القضائية الصادرة عن الجهات القضائية بشأن دعوى المنافسة غير المشروعة بين فئتين من الأحكام: إحداها تكتسي الطابع التعويضي على اعتبار الضرر الذي تكون المنافسة غير المشروعة، و باعتبارها شكلا من المسؤولية التقصيرية، قد سببته للعون الاقتصادي المنافس، كما يمكن للمحكمة المختصة أن تصدر أمرا بالكف عن السلوك الذي ينطوي على منافسة غير مشروعة، لاسيما من خلال إعمال نظام الغرامة التهديدية.

   المطلب الثالث: التطفل التجاري: Parasitisme commercial

   الفرع الأول: التعريف بالتطفل التجاري:

     يمكن أن يعرف التطفل التجاري بأنه مجموع الممارسات التي يتدخل من خلالها عون اقتصادي في نظام عون آخر، بغرض الحصول على المنافع الاقتصادية التي تحققها المهارات و المعارف المهنية التي استثمر و اجتهد العون الاقتصادي المتطفل عليه لأجل بلورتها و الانتفاع بها، من دون أن يسهم العون الاقتصادي المتطفل في هذا الاستثمار أو المجهود، بشرط ألا تكون هذه المهارات من بين الحقوق المحمية بنصوص قانونية خاصة، مثل براءات الاختراع، و حقوق الملكية الصناعية المسجلة، و من دون أن يكون العون الاقتصادي المتطفل منافسا للعون الاقتصادي المتطفل عليه، و إلى ألحق ذلك بنظام المنافسة غير المشروعة.

   حظر المشرع الجزائري التطفل التجاري بمقتضى المقطع 3 من المادة 27 من قانون القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، و التي جاء فيها من بين الممارسات التجارية غير النزيهة: "استغلال مهارة تقنية أو تجارية مميزة دون ترخيص أو موافقة من صاحبها."

   يأخذ في هذا الشأن التطفل التجاري عدة أشكال، من بينها استعمال علامة تجارية ذات سمعة داخل السوق، ثم اعتمادها بالنسبة لمنتج أو خدمة بالنسبة لسوق آخر، من ذلك ما تم إقراره بالنسبة من قبل قضاء النقض الفرنسي في ما أصبح يعرف بقضية Pontiac، حيث صنعت شركة مختصة في الأدوات الكهرومنزلية ثلاجات أطلقت عليها تسمية Pontiac و التي هي ذاتها التسمية التجارية لنوع من السيارات، و كان الحكم بعدم توافر شروط دعوى المنافسة غير المشروعة، على اعتبار عدم انتماء النشاطين الإنتاجيين للسوق ذاته، و لكن اعتبرت أن شركة المنتجات الكهرومنزلية قد مارست شكلا من التطفل التجاري، مكنها من الحصول على ميزات اقتصادية و تنافسية غير مبررة، لكن من دون إمكانية القول بتحويل عنصر الزبائن، على اعتبار عدم انتماء كلا العونين للسوق ذاته.

   كما يدخل ضمن التطفل التجاري استغلال حملة الإشهار أو حتى الصيغ الإشهارية من طرف أحد الأعوان الاقتصاديين، و اعتمادها في الترويج لمنتجات أو خدمات العون المتطفل، بدون ترخيص أو موافقة من العون الاقتصادي المتضرر.

   الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للمسؤولية عن التطفل التجاري:

   يمكن التمييز بصدد الطبيعة القانونية بين موقفين، يستند أولهما إلى فكرة الإثراء بلا سبب، أما الثاني فيعتقد بأن التطفل التجاري شكل من أشكال المسؤولية التقصيرية.

1-   التطفل التجاري إثراء بلا سبب: يذهب هذا الموقف من الفقه إلى الادعاء بأن التطفل التجاري هو إثراء بلا سبب، على أساس اغتناء الذمة المالية للمتطفل على حساب المتطفل عليه، غير أن هذا الموقف لا يمكن القول بصحته، على أساس عدم تحقق شروطه في حالة التطفل التجاري، إذ أن الإثراء بلا سبب لا يتحقق إلا بالنسبة للشخص حسن النية، و هو الأمر المستبعد بالنسبة للمتطفل، كما أن من شروط الإثراء بلا سبب وفقا للنظرية العامة، و مثلما هو وارد بالنسبة للقانون المدني الجزائري بمقتضى المادة 141 إغتناء للذمة المالية لأحد الطرفين، و إفقارا لذمة الطرف الآخر، و هو ما ليس ثابتا لزوما بالنسبة للتطفل التجاري، حيث لا يشترط تأثيره على الذمة المالية لأي من الطرفين حتى يثبت باعتباره ممارسة تجارية غير نزيهة، بغض النظر عن آثاره المالية، أو على الأقل آثاره المالية بالنسبة للمتطفل عليه.

2-   التطفل التجاري شكل من المسؤولية التقصيرية: يعتقد هذا الرأي بأن التطفل التجاري ما هو إلا تطبيق لأحكام المسؤولية التقصيرية، لاسيما و أنه لا يتحقق إلا باستيفاء جميع شروطها، و الظاهر أن هذا التبرير للمسؤولية عن التطفل التجاري هو الأقرب للصحة، حتى و إن كان من اللازم تكييفه مع الطبيعة الخاصة للممارسات التجارية عموما، و العلاقات التنافسية بين الأعوان الاقتصاديين على الأخص.

   الفرع الثالث: شروط تحقق المسؤولية عن التطفل التجاري:

   يشترط لتحقق المسؤولية عن التطفل التجاري ما يشترط بالنسبة لتحقق المسؤولية التقصيرية عموما، و على هذا الأساس يمكن التمييز في هذا الصدد بين ثلاث شروط:

1-   الخطأ: يتمثل الخطأ المستخلص من التطفل التجاري في التحويل غير المبرر لاستثمارات العون الاقتصادي المتضرر دون أن يكون هذا التحويل مبررا، لاسيما بالاتفاق أو القانون، و ذلك بغض النظر عن النية في الإضرار من جانب العون الاقتصادي المتطفل، على اعتبار أن التمتع بمجهودات الغير يشكل في حد ذاته خطا، و أن مقتضيات الأعراف و الممارسات التجارية النزيهة تقتضي أن تكون السمعة التجارية محصلة الاستثمارات المبذولة في سبيل ذلك، و ليس بالاستفادة غير المبررة من استثمارات و مجهودات الغير.

2-   الضرر: لا يمكننا الحديث بالنسبة للتطفل التجاري عن تحويل الزبائن باعتباره ضرر محتمل بالنسبة لهذا النوع من الممارسات، على اعتبار أن العونين الاقتصاديين المعنيين ليسا متنافسين، و إلا كنا أمام وضعية منافسة غير مشروعة و ليس تطفلا تجاريا، إلا أنه يمكن أن يكون الضرر الحاصل بالنسبة للعون الاقتصادي المتطفل عليه هو المساس بالمكانة التجارية للعلامة محل التطفل، مثلما أشارت إليه محكمة النقض الفرنسية في قرار يتعلق باستعمال أوشحة من علامة ذات سمعة تجارية معتبرة كجوائز يانصيب، مما عد تطفلا تجاريا مسيئا للعلامة محل التطفل، كما أن هذا الموقف من المحكمة الفرنسية لا يلغي احتمال أن يكون الضرر ماديا صرفا، لاسيما و أن الغالب في استعمال العلامة التجارية من قبل الغير أن يكون بمقابل.

3-   علاقة السببية: إن العلاقة السببية بين الخطأ من جانب المتطفل و الضرر الحاصل للعون المتطفل عليه يخضع عموما إلى الأحكام العامة، لاسيما بالنسبة لافتراضها عند تزامن الخطأ والضرر، و نفيها بالكيفيات ذاتها المقررة بالنسبة للنظرية العامة، حتى و إن أمكن إبراز خصوصية التطفل التجاري بالنسبة للأحكام العامة بالنظر لطبيعة عالم الأعمال، لاسيما فيما يتعلق بالأضرار غير المادية، مثل المساس بمكانة العلامة التجارية داخل السوق، حيث ينبغي في هذا الشأن التثبت من أن هذا المساس مرده الأعمال التطفلية، وليس اعتبارات أخرى مثل اهتزاز مكانة العلامة التجارية لاعتبارات مرتبطة بانتقاص في درجة جودة الخدمة أو المنتج، أو التقليل من العمليات الترويجية، أو حتى عدم مجاراة نسق التطور داخل السوق بالمقارنة مع الأعوان المنافسين الآخرين.

 

Partager cet article
Repost0