Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
14 janvier 2012 6 14 /01 /janvier /2012 09:00

     مقدمة عامة:

     يقصد بالمنافسة وضعية تنافس اقتصادي بين مؤسسات متميزة بصدد عرض نفس المنتج السلعي أو الخدمي داخل سوق واحد، تلبية للحاجات ذاتها، على أن تكون لكل مؤسسة نفس الحظ من الربح أو الخسارة، و هي الوضعية التي تقابل وضعية الاحتكار، سواء كان هذا الاحتكار لمصلحة الدولة، حيث لا يمكن في هذا الوضع إعمال قواعد المنافسة، و لكن قواعد التخطيط، أو كان الاحتكار أو شبه الاحتكار لمصلحة مؤسسة خاصة، فنكون أما وضعية هيمنة اقتصادية لا تتحقق معها ظروف المنافسة الحرة، و على هذا الأساس يكون المقصود بقانون المنافسة مجموعة الأحكام القانونية و التنظيمية المطبقة على المؤسسات في إطار نشاطاتها داخل السوق، و التي يكون الغرض منها ضبط التنافس فيما بينها.

    الجدير بالملاحظة أن السوق بمفهوم قانون المنافسة ليس هو السوق بالمفهوم المكاني الذي يعني الأمكنة المعدة لممارسة التجارة، و إنما هو ذاته السوق بالمفهوم الاقتصادي، والذي يعني حسب المادة الثالثة/ب من الأمر 03/03 الموافق عليه بالقانون 03/12: "كل سوق للسلع أو الخدمات المعنية بممارسات مقيدة للمنافسة، و كذا تلك التي يعتبرها المستهلك متماثلة أو تعويضية، لاسيما بسبب مميزاتها و أسعارها، و الاستعمال الذي خصصت له، و المنطقة الجغرافية التي تعرض المؤسسات فيها السلع أو الخدمات المعنية"، كما ينبغي عدم الخلط بين قانون المنافسة ، و قانون حماية المستهلك ، حيث أن مجال هذا الأخير هو تنظيم العلاقات التي تنشأ فيما بين المؤسسة من جهة، و المستهلك من جهة ثانية، بما يتضمنه من أحكام حمائية لمصلحة المستهلك، بينما مجال تدخل قانون المنافسة هو العلاقات بين المؤسسات فيما بينها داخل السوق الواحد، حتى و إن التقى القانونان في بعض المواضع، حيث أن المنافسة الحرة التي يضمنها قانون المنافسة في حد ذاتها سوف تصب في مصلحة المستهلك وفق رأي المدرسة الاقتصادية الليبرالية، من حيث إسهامها في تحقيق أحسن تناسب بين الثمن و الجودة، كما أن بعض الأحكام التي هي من صميم قانون حماية المستهلك من شأنها دعم نزاهة المنافسة، كما هو الشأن بالنسبة للإعلام بالأسعار و التعريفات شروط البيع المنصوص عليها في القانون 04/02 المتضمن القواعد المطبقة على الممارسات التجارية.

 

      الفصل الأول: مفهوم قانون المنافسة:

     يقتضي بيان مفهوم قانون المنافسة التطرق إلى نشأة هذا الفرع من القانون، سواء على المستوى الدولي، أو  الداخلي، ثم بيان مصادره، و أخيرا مبررات  وجوده كفرع مستقل.

    المبحث الأول: نشأة و تطور قانون المنافسة

    يقع التمييز بصدد نشأة و تطور قانون المنافسة بين الوضع على المستوى الدولي، ثم الوضع بالنسبة للجزائر.

    المطلب الأول: نشأة و تطور قانون المنافسة على المستوى الدولي:

    يمكن الرجوع بظهور أولى بوادر قانون المنافسة إلى نهايات القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة، و هي فترة بداية صدور القوانين التي تحظر الممارسات الاحتكارية و المتنافية مع حرية المنافسة، و هي بالخصوص ثلاثة قوانين، عرفت بقوانين حظر التجمعات الاحتكارية Lois anti-trust، فصدر سنة 1896ما أضحى يعرف بقانون شارمان Sherman act الذي يحظر الاحتكار، ثم قانون كلايتون Clayton act سنة 1914 و الذي يحظر اللجوء للأسعار التمييزية، و بمقتضاه صدر في ذات السنة القانون المؤسس للجنة التجارة الفيدراليةFederal trade commission act  الذي يحظر اللجوء لأعمال المنافسة غير المشروعة.

    أما في أوروبا فإن قانون المنافسة يعد أكثر حداثة، على اعتبار أنه متزامن مع إنشاء السوق الأوروبية المشتركة سنة 1958 بمقتضى اتفاقية روما لسنة 1957، و إن تأخر بالنسبة للقانون الفرنسي حتى سنة 1986، و هي سنة صدور أمر 1 ديسمبر، الذي أدمج ضمن المواد 410 و ما يليها من القانون التجاري الفرنسي، حتى و إن كان القضاء الفرنسي قد عرف دعوى المنافسة غير المشروعة قبل هذا التاريخ، من خلال دعوى المنافسة غير المشروعة تأسيسا على مبادئ المسؤولية التقصيرية، و أحكام المسؤولية الجنائية لاسيما فيما يتعلق بتحويل العملاء عن طريق تقليد المنتوج أو العلامة التجارية للمتعامل المنافس.  

 

    المطلب الثاني: نشأة و تطور قانون المنافسة في الجزائر:

    يرتبط ظهور قانون المنافسة في الأنظمة القانونية عموما بانتهاج اقتصاد حر تكون المنافسة داخله إحدى أهم مقوماته، و على هذا الأساس لم يكن من المتوقع ظهور قانون للمنافسة في الجزائر خلال مرحلة ما قبل تسعينات القرن الماضي، على اعتبار سيادة المذهب الاشتراكي، و بالتالي نظام اقتصادي احتكاري، تزاول من خلاله الدولة نشاط التوزيع و الإنتاج دون مزاحمة من الكيانات الاقتصادية الخاصة، و عليه لم يظهر أول قوانين المنافسة في الجزائر إلا سنة 1995 من خلال القانون 95-06 المؤرخ في 25 جانفي 1995 المتعلق بالمنافسة، إلا أن هذا القانون ألغي و عوض بالقانون 03-03 المؤرخ في 19 يوليو 2003، حيث يلاحظ أن المشرع الجزائري فصل بمقتضى                  هذا القانون بين الممارسات التجارية التي أفرد لها قانونا خاصا يتمثل في القانون 04-02 المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية، و خصص قانون المنافسة للأحكام المتعلقة بمبادئ المنافسة، و مجلس المنافسة.

      المبحث الثاني: مضمون قانون المنافسة و غايته:

     يعد قانون المنافسة أحد مظاهر التنظيم الحر للاقتصاد، بما يفترض معه من الحرية التنافسية بين الأعوان الاقتصاديين، و حرية الوصول إلى العملاء، لكن هذا الوضع لا يتحقق في الواقع إلا إذا كانت شروط المنافسة المثالية متاحة لجميع الأعوان الاقتصاديين، لاسيما حرية الدخول للسوق، و نزاهة الممارسة التجارية و الصناعية، و تماثل شروطها بالنسبة لجميع الكيانات المتنافسة، و هي الشروط التي لا يمكن أن تتحقق في الواقع، ما يدعو إلى تدخل الدولة بغرض ضبط العلاقة بين الأعوان الاقتصاديين المتنافسين من خلال أحكام قانونية ذات مضامين و غايات متعددة.

      المطلب الأول: مضمون قانون المنافسة:

      يتطلب ضمان أقل قدر من شروط المنافسة الحرة تدخل المشرع بهدف تصحيح بعض الوضعيات التي من شأن استمرارها أن يخل بالمساواة بين الأعوان الاقتصاديين داخل السوق في الوصول إلى العملاء، و يتحقق هذا التدخل من خلال فئتين من الأحكام: موضوعية و شكلية.

    الفرع الأول: المضمون الموضوعي لقانون المنافسة:

    إن قانون المنافسة وفقا لهذا الاعتبار هو قانون ضبط سلوكيات الأعوان الاقتصاديين داخل السوق من خلال حظر الممارسات التي من شأنها عرقلة لعبة المنافسة الحرة، و ينطبق هذا الأمر بالنسبة لحظر الممارسات المقيدة للمنافسة، و من بينها ما هو منصوص عليه بمقتضى المادة 6 من قانون 03/03 لاسيما عرقلة تحديد الأسعار حسب قواعد السوق بالتشجيع المصطنع لارتفاع الأسعار من خلا الاحتكار، أو انخفاضها من خلال الإغراق، و كذا الممارسات التمييزية Pratiques discriminatoires المتمثلة خصوصا في تطبيق شروط غير متكافئة لنفس الخدمات تجاه الشركاء التجاريين، و الأعمال المضيقة للمنافسةPratiques restrictives de la concurrence  المتمثلة خصوصا في الحد من الدخول في السوق أو في ممارسة النشاطات التجارية، و كذلك بالنسبة لمراقبة التجميعات الاقتصادية concentrations économiques Contrôle des و حظرها في حال ما إذا ترتب عنها تضييقا من محال المنافسة.

    الفرع الثاني: المضمون الشكلي لقانون المنافسة 

    يتضمن قانون المنافسة -إلى جانب التدخل لأجل ضبط سلوكيات الأعوان الاقتصاديين- أحكاما تعنى بالجوانب الهيكلية في تنظيم المنافسة، و يظهر ذلك من خلال إنشاء مجلس المنافسة باعتباره السلطة الإدارية المخولة لضمان السير الحسن للمنافسة و تشجيعها، من خلال تمكينه من بعض السلطات لاسيما الرقابة على التجميعات الاقتصادية و مدى أثرها على لعبة المنافسة، و كذلك إمكانية إبداء الرأي في بعض المسائل المرتبطة بالمنافسة لاسيما النصوص التنظيمية، و معالجة القضايا المتعلقة بالممارسات المقيدة للمنافسة، إلى جانب سلطة التحقيق في مدى تطبيق النصوص القانونية و التنظيمية المتعلقة بالمنافسة.

    المطلب الثاني: غايات قانون المنافسة:  

    لا يتوقف قانون المنافسة عند غايته الأصيلة في حماية المنافسة داخل السوق، و إنما يمتد أثره إلى حماية الكيانات الاقتصادية المتنافسة، و حماية المستهلك.

    الفرع الأول: حماية المنافسة:

    تظهر أهمية قانون المنافسة في حماية مبدأ المنافسة الحرة في ذاته، بما يستتبعه ذلك من حماية السوق باعتباره مجال هذه المنافسة، و تظهر هذه الحماية من خلال حظر الممارسات المقيدة للمنافسة و المتضمنة في الفصل الثاني من القانون 03/03، حيث أن الحظر وارد على هذه الممارسات بغض النظر عن آثارها الفعلية على السوق، و هو الأمر الذي يمكن استخلاصه من نص المادة 6 من قان ن المنافسة: "تحظر الممارسات و الأعمال المدبرة ز الاتفاقيات و الاتفاقات الصريحة أو الضمنية عندما تهدف أو يمكن أن تهدف إلى عرقلة حرية المنافسة أو الحد منها أو الإخلال بها في نفس السوق أو في جزء جوهري منه..."

     الفرع الثاني: حماية المتنافسين:

    تتحقق من خلال حماية المشرع لمبدأ المنافسة الحرة حماية الأعوان الاقتصاديين داخل السوق، لاسيما أمام بعض التصرفات التي حظرها المشرع، و يدخل في هذا الإطار حظر التعسف الناتج عن وضعية الهيمنة الاقتصادية مثلما ورد النص عليها بمقتضى المادة 7 من قانون المنافسة، و التعسف في استغلال وضعية التبعية الاقتصادية و التي قد تأخذ العديد من الأشكال أوردتها المادة 11 من قانون المنافسة، و تتمثل على الخصوص في رفض البيع بدون مبرر شرعي، البيع المتلازم أو التمييزي، البيع المشروط باقتناء كمية دنيا، الإلزام بإعادة البيع بسعر أدنى، و قطع العلاقة التجارية لمجرد رفض المتعامل الخضوع لشروط تجارية غير مبررة.  

     الفرع الثالث: حماية المستهلك:

    يختلف قانون المنافسة عن قانون حماية المستهلك في مجال إعمال كليهما، حيث يتحدد مجال قانون المنافسة في ضبط العلاقات فيما بين الأعوان الاقتصاديين داخل السوق، أما قانون حماية المستهلك فيضبط علاقات المحترفين بالمستهلكين، غير أن حماية المنافسة أو المؤسسات داخل السوق قد تستتبع بالضرورة حماية المستهلك، و يتضح ذلك من خلال حظر عمليات الاحتكار بهدف رفع الأسعار، و البيع بخسارة التي قد تعرقل لعبة المنافسة، و بما قد يؤدي إلى انسحاب الأعوان الاقتصاديين الأقل قدرة اقتصادية، و بالتالي هيمنة الأعوان الاقتصاديين الأكثر قدرة على السوق، بما يستتبعه ذلك من معاودة ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر اقتصاديا.

     المبحث الثالث: مصادر قانون المنافسة:

    لا يختلف قانون المنافسة من حيث مصادره الرسمية عن غيره من فروع القانون في المنظومة القانونية الجزائرية، حتى و إن كان للمصادر الدولية في مجال المنافسة و الأعمال عموما دور جوهري، و عليه أمكن التمييز بصدد مصادر قانون المنافسة بين المصادر الوطنية، و المصادر الدولية.

    المطلب الأول: المصادر الوطنية لقانون المنافسة:  

    بالرغم من أن المشرع الجزائري أفرد للمنافسة قانونا خاصا من خلال القانون 03/03 المتعلق بالمنافسة، إلا أن تعدد مضامين هذا الفرع من القانون يجعل من الممكن امتداده إلى نصوص أخرى ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي و التعاقدي، و يمكن أن نشير في هذا الخصوص إلى إعمال قواعد النظرية العامة للالتزامات لاسيما منها أحكام المسؤولية المدنية، كما أن القانون التجاري باعتباره الإطار القانوني العام للنشاط التجاري الممارس من قبل الأعوان الاقتصاديين، كما لا يمكن في هذا الشأن إغفال القانون 04/02 المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية، خاصة في أحكامه المتعلقة بنزاهة الممارسات التجارية، و تنظيمه للأسعار، و الشأن ذاته بالنسبة للأمر 03/04 المتعلق بالقواعد العامة المطبقة على عمليات استيراد البضائع و تصديرها.

    المطلب الثاني: المصادر الدولية:

    يقصد بالمصادر الدولية في هذا الخصوص الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمجال الأعمال عموما، لاسيما اتفاقيات الشراكة، و الأسواق المشتركة، و في هذا الشأن تنبغي الإشارة إلى أهمية الاتفاقية المتوسطية المنشئة للشراكة الجزائرية الأوروبية الموقعة بفالنسيا بتاريخ 22 أفريل 2002، المصادق عليها من طرف الجزائر بتاريخ 27 أفريل 2005،  و التي تم بموجبها إنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر و المجموعة الأوربية، بما يعنيه ذلك من اندماج السوق الجزائري –باعتباره فضاء للمنافسة- ضمن السوق الأوروبي، و الأمر ذاته بالنسبة للسوق العربية المشتركة، حتى وإن لم يكتمل هيكله القانوني بالنسبة للجزائر.

    الفصل الثاني: مجال تطبيق قانون المنافسة:

    يتحدد مجال تطبيق قانون المنافسة بالاستناد إلى معيارين: أولهما النشاط الاقتصادي، و ثانيهما مرتبط بطبيعة الممارسات في حد ذاتها.

     المبحث الأول: مجال تطبيق قانون المنافسة من حيث النشاط الاقتصادي:

      إن فكرة النشاط الاقتصادي التي أقرتها المادة 2 من قانون المنافسة لا تعني بالضرورة أن يكون ثمة مقابل مالي  للنشاط، و تكون العبرة في مدى تأثير النشاط على سوق السلعة و الخدمة، من ذلك ما ذهب إليه القضاء في فرنسا من أن "إعارة الشركات المنتجة للوقود لموزعي منتجاتها المعتمدين خزانات الوقود بدون مقابل مالي يخضع لأحكام الأمر المتضمن قانون المنافسة." بل أن مجال قانون المنافسة قد يمدد إلى تجمعات غير ربحية مثل النقابات و التعاونيات، متى كان لنشاطها تأثير على سوق الخدمة أو السلعة، مثلما هو الأمر بالنسبة لقرار تنظيم نقابي بمقاطعة بضاعة معينة، حيث قد يعتبر ذلك من الأعمال المدبرة حسب مفهوم المادة من القانون و التي قد تهدف إلى عرقلة حرية المنافسة أو الحد منها، أو الإخلال بها من خلال التأثير على مستوى الطلب، كما يعتبر من قبيل الأعمال المدبرة الاتفاقات المعقود بين المؤسسات الاستشفائية حول أسعار الخدمات الطبية، و عليه يكون معيار إعمال قانون المنافسة هو مدى تأثير النشاط الاقتصادي على السوق.

    إن القول بمعيار تأثير النشاط الاقتصادي على السوق كأساس لإعمال قواعد حماية المنافسة كفيل بإخراج بعض الأنشطة الاقتصادية من مجال الخضوع لقانون المنافسة متى لم تؤثر على السوق محل الحماية، و يدخل في هذا الإطار اتفاقات التصدير إذا كان محل الاتفاق موجها لغير السوق الوطنية، حتى و إن تم الاتفاق بين أعوان اقتصاديين وطنيين.  

     المبحث الثاني: مجال تطبيق قانون المنافسة من حيث الأشخاص

            أورد المشرع الجزائري من خلال المادة الثانية من قانون 03/03 بيان النشاطات المشمولة بمقتضيات القانون، حيث "يطبق هذا الأمر على نشاطات الإنتاج و التوزيع و الخدمات بما فيها تلك التي يقوم بها الأشخاص العموميون، إذا كانت لا تندرج ضمن إطار ممارسة صلاحيات السلطة العامة أو أداء مهام المرفق العام." و عليه يكون النشاط الاقتصادي الصرف، سواء الإنتاجي أو التوزيعي أو الخدمي هو العبرة عند تحديد مجال إعمال قانون المنافسة، بغض النظر عن طبيعة العون الاقتصادي الممارس لهذا النشاط، من حيث كونه شخصا خاصا أو عاما، فيما عدا الحالات التي يتدخل فيها هذا الأخير باعتباره سلطة عامة حسبما يتضح في قانون الصفقات العمومية في الكثير من الأحكام، كالامتيازات الممنوحة للمنتج الجزائري على حساب المنتجات الأجنبية، أو الشركات الجزائرية على حساب الشركات الأجنبية، و كذلك الأمر بالنسبة للاستثناءات المقررة قانونا لمصلحة دعم أسعار السلع للمنتجات واسعة الاستهلاك، أو التدابير المتضمنة تحديد هوامش الربح للسلع التي تعرف ارتفاعا مفرطا و غير مبرر لأسعارها مثلما ورد بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 5 من قانون 03/03 المعدلة بمقتضى المادة 4 من قانون 10/05 حيث: "... يمكن أن تحدد هوامش الربح و أسعار السلع و الخدمات أو الأصناف المتجانسة من السلع و الخدمات أو تسقيفها أو التصديق عليها عن طريق التنظيم..." بما من شأنه أن يشكل استثناء عن مبدأ حرية الأسعار و المنافسة الحرة.

     إن اصطلاح المؤسسة بمفهوم قانون المنافسة لا يمكن قصره على الأشخاص الطبيعية أو المعنوية الخاصة، بل يمتد إلى كل شخص يمارس نشاطات الإنتاج و التوزيع و الخدمات، حسب المفهوم الوارد في المادة 3 من قانون 03/03 متى ثبت قيامه بنشاط اقتصادي متمثل في منح سلعة أو تقديم خدمة داخل نطاق سوق معين، ما لم يتقرر ارتباط النشاط بمصلحة عامة، أو كان ضروريا لتحقيقها.

     الفصل الثاني: أحكام قانون المنافسة:

     يستند قانون المنافسة عموما إلى فكرة الحرية التنافسية، و التي يحاول المشرع تكريسها قانونيا من خلال أحكام تبتعد بالنشاط الاقتصادي عن التقييد، حتى و إن كانت الحرية المطلقة لا يمكن إعمالها بالنظر إلى ما يمكن أن تخلفه من آثار على مستوى السوق قد تحد من غاية إقرارها، و على هذا الأساس حاول المشرع تكييف هذه الأحكام مع خصوصيات بعض النشاطات و الأوضاع التي قد لا تحقق المنافسة الحرة غاياتها النهائية، و على هذا الأساس سوف نتطرق إلى أحكام المنافسة من خلال الغايات النهائية لهاته الأحكام، حيث يمكن التمييز بين تلك التي تهدف لتضييق المنافسة و حماية المؤسسة أمام المنافسة في حد ذاتها، و تلك التي تهدف إلى تكريس الحرية التنافسية بما يضمن حماية السوق

      المبحث الأول: الأحكام الخاصة بحماية المؤسسة:

     يعتبر عنصر العملاء جوهر نشاط أي مؤسسة و غاية وجودها، بحيث يقع التنافس بين المؤسسات داخل السوق لأجل إما المحافظة عليه، أو تحويل عملاء المؤسسات الأخرى بوسائل قد تكون مشروعة، كما يمكن أن تقع تحت طائلة حظر قانوني تكون غايته حماية مصالح المؤسسات المتضررة، و قد تتحقق حماية المؤسسة وفقا لهذا المنوال من خلال إما إبرام اتفاقات عدم المنافسة Conventions de non-concurrence أو حمايتها أمام المنافسة غير المشروعة Concurrence déloyale، أو ضد التطفل التجاري Parasitisme commercial.

     المطلب الأول: اتفاقات عدم المنافسة:

    نتطرق بصدد اتفاقات عدم المنافسة إلى بيان المقصود بها، و مجالها، ثم توضيح شروط نفاذها.

    الفرع الأول: التعريف باتفاقات عدم المنافسة

      يعتبر اتفاق عدم المنافسات من أهم مظاهر الخروج عن مبدأ حرية المقاولة و التعاقد، باعتباره اتفاق بين طرفين يلتزم بمقتضاه أحدهما بألا يمارس نشاطا محددا ينافس به نشاط الطرف الآخر، و يرد على الغالب النص عليه بمقتضى شرط ضمن عقد سابق بين الطرفين، و على هذا الأساس قد يسمى كذلك شرط عدم المنافسةClause de non-concurrence.          

       يتحقق شرط عدم المنافسة في العديد من الوضعيات، لاسيما عند التنازل عن المحلات التجارية، بحيث يغلب في مثل هذه الحالة أن يورد الطرفان شرط امتناع المحيل عن ممارسة النشاط ذاته ضمن حدود معينة، و لمدة متفق عليها، على أساس أن عنصر العملاء هو أهم عناصر المحل التجاري المتنازل عنها، و أن استمرار المحيل في تأدية النشاط ذاته داخل المنطقة نفسها كفيل بأن يحرم المالك الجديد من هذا العنصر بالنظر لاحتمال ارتباط هؤلاء العملاء بالمحيل، غير أن خطورة هدا الشرط بالنسبة لحرية المنافسة تستدعي القول بضرورة إخضاعه لجملة من الشروط، كما قد يتضمن عقد العمل مثل هذه الاشتراطات، و التي تسري بعد انقضاء العقد للحيلولة دون تحويل العامل لعملاء رب العمل بفضل سبق معرفته بهم، و الأمر ذاته بالنسبة لعقود التوزيع، لاسيما في عقد الترخيص التجاري Contrat de franchise، التمثيل التجاري Contrat de représentation commerciale، عقد الوكالة التجاريةContrat d’agence commerciale ، أو عقد الامتياز التجاري Contrat de concession commerciale.

     الفرع الثاني: شروط صحة اتفاق عدم المنافسة:

      إن خطورة اتفاقات عدم المنافسة على المنافسة أوجبت التدخل لأجل تقييدها بشروط، و تحديد تطبيقاتها بالحالات التي تستدعي حماية مصالح و حقوق المؤسسات التي قد تتضرر من حرية المنافسة.

     لا يمكن إعمال اتفاق المنافسة بشكل مطلق و دونما أية شروط، على اعتبار تعارض ذلك مع أهم عناصر الحرية الاقتصادية، و المتمثلة في حرية المقاولة، حسب ما يفهم من نص المادة 6 من القانون 03/03 التي اعتبرت "الحد من الدخول السوق أو في ممارسة النشاطات التجارية شكلا من الممارسات المقيدة للمنافسة، و إنما ينبغي أن يحدد مجال هذا الاتفاق بما هو لازم لحماية المؤسسة من التحويل غير المشروع لعملائهاProtection de l’entreprise contre le détournement illégal de sa clientèle .

     أسهم القضاء المقارن بشكل كبير في بلورة نظرية المنافسة غير المشروعة، و ذلك من خلال إقرار عديد الأحكام التي أضحت من المبادئ المستقر عليها في هذا الشأن، بحيث لا يمكن تقبل امتداد شرط أو اتفاق عدم المنافسة لمدى غير محدود، الأمر الذي قد يشكل تنازلا كاملا للمدين بالشرط عن حريته في التعاقد أو العمل، أو المقاولة، إذ من شأن ذلك أن يمثل خرقا لأبرز أشكال الحريات الاقتصادية، و في هذا الصدد يمكن أن نميز بين شرطين لصحة اتفاق عد المنافسة: تحديد مجال الاتفاق، و تبريره.

1-  تحديد اتفاق عدم المنافسة:

     المقصود بالتحديد وضع حيز زمني و مكاني لعدم ممارسة النشاط محل الاتفاق، يسترد خارجهما المدين بالشرط حريته في التعاقد و العمل و المقاولة، غير أن هذا الشرط يقع تحت رقابة القضاء من حيث تناسبه مع طبيعة المصالح المراد حمايتها، حيث لا ينبغي للشرط أن يمتد لأجل أطول مما تتطلبه مصلحة الدائن به، أو لمدى مبالغ فيه، و في هذا الشأن ذهب القضاء في فرنسا بمناسبة النظر فيما يعرف بقضية مركز المعالجة بمياه البحرAffaire du centre de thalassothérapie  حيث ورد في اتفاق التنازل عن أسهم المحيل في مركز خاص بالمعالجة بمياه البحر شرط امتناعه عن العمل في موضوع نشاط الشركة أو أي عمل مرتبط به، لاسيما تقديم الاستشارات في هذا المجال و لمدة 20 سنة، فألغت محكمة النقض الفرنسية هذا الشرط على أساس أن من نتائج الشرط عرقلة المدين به عن أي نشاط مرتبط باختصاصه المهني.  

2-   تبرير اتفاق عدم المنافسة:

     تتقرر غاية اتفاق عدم المنافسة بحماية مصالح الدائن لاسيما المرتبطة بعنصر العملاء، و عليه فلا يمكن له أن يتقرر بشكل مستقل، بل ينبغي أن يكون ملحقا بعقد رئيسي مثل عقد عمل، أو عقد توزيع، أو عقد تنازل عن محل تجاري، على أن تكون متناسبة و مرتبطة بالمصلحة المراد حمايتها، و في هذا الصدد يكون باطلا شرط عدم المنافسة إذا كان النشاط محل الاتفاق متميزا عن العقد الأصلي، مثل ما ذهب إليه القضاء الفرنسي من أن شرط عدم المنافسة الممتد لثلاثة سنوات، و لمدى ثلاثين كيلومترا الموقع على عاتق سائق سيارة الأجرة لفائدة شركة موضوعها الاجتماعي تقديم خدمات الاتصال بالزبائن لمصلحة سائقي سيارات الأجرة. 

     المطلب الثاني: المنافسة غير المشروعة:

      تقتضي حرية المنافسة فسح المجال أمام الأعوان الاقتصاديين للوصول إلى العملاء بكل الوسائل التسويقية أو القانونية المتاحة، ما لم يستند في ذلك إلى أساليب غير مشروعة، أو غير قانونية، و عليه فإن لحرية المنافسة حدودا ينبغي التوقف عندها، تتمثل على الخصوص في بعض الوضعيات لا تستجيب مع ما يفترض في الممارسة التجارية من نزاهة، كما أن المنافسة غير المشروعة إذا استوفت شروط تحققها يمكن لمن يأتيها أن يكون محل متابعة قضائية من خلال ما يعرف بدعوى المنافسة غير المشروعة.

     الفرع الأول: صور المنافسة غير المشروعة:

    يمكن في هذا الصدد التمييز بين أربعة صور للمنافسة غير المشروعة:

1-  تشويه سمعة العون الاقتصادي المنافس:

     ورد في المقطع الأول من نص المادة 27 من القانون 04/02 ضمن مجموع الممارسات التجارية غير النزيهة: "تشويه سمعة عون اقتصادي منافس بنشر معلومات سيئة تمس بشخصه أو بمنتوجاته أو خدماته..." و الظاهر أن الهدف من التشويه بالشكل المنصوص عليه في المادة السابقة هو تحويل الزبائن عن المنافس المتضرر بشكل غير مشروع، و هو الوضع الذي لا يتحقق إلا باستيفاء شروط يمكن تفصيلها فيما يلي:

 نشر معلومات مسيئة عن مؤسسة منافسة أو منتوجاتها أو خدماتها، و ذلك بغض النظر عن صدق هذه المعلومات، بحيث تكون العبرة بمدى تأثير هذه المعلومات على زبائن المنافس، مثل الإدعاء بأن المؤسسة لا تحترم شروط النظافة، أو أن أسعار خدماتها مرتفعة، أو أنها مدعى عليها في دعوى تقليد علامة تجارية، كما أن التشويه قد يتحقق إيجابا بنشر المعلومات بين الزبائن و العملاء، أو بشكل سلبي مثل السكوت عن تساؤل أحد العملاء حول حقيقة ما يشاع عن عدم احترام المنافس لشروط النظافة.

 التشهير: و المقصود به نشر المعلومات بين العموم، أو النية في نشرها بين العموم، أما إذا قدمت المعلومات بشكل خاص، أو من خلال الهاتف بما لا يفهم منه الرغبة في نشرها بين العموم فإن التشويه لا يتحقق في هذا الوضع.

 ينبغي أن تخص المعلومات منافسا بذاته، أما المعلومات المقدمة بشكل عام فلا يمكن لها أن تعد تشويها، غير أنه لا يشترط التعيين الصريح للمؤسسة المعنية بالمعلومات المشوهة، حيث يكون الإيحاء كافيا إذا ما كان لم يكن ثمة مجال للشك في المؤسسة المقصودة بالمعلومات.

 ينبغي لهذه المعلومات أن تخص مؤسسة منافسة و إلا لم تتحقق شروط التشويه باعتباره منافسة غير مشروعة.

     لعل من أكثر أشكال التشويه الشائعة هو الإشهار القائم على المقارنة Publicité comparative، حيث يقوم العون الاقتصادي بالمقارنة بين منتجاته أو خدماته و منتجات أو خدمات مؤسسة منافسة، لاسيما من حيث درجة الجودة، أما من حيث السعر فإن مقتضيات شفافية الأسعار باعتبارها إحدى مقومات حرية المنافسة قد تحول دون إصباغ الإشهار في هذه الحالة بصبغة التشويه، و هو المذهب الذي اعتمدته محكمة النقض الفرنسية بمناسبة ما يعرف بقضية كارفور Affaire carrefour.

2-  زرع الشكوك في ذهن المستهلك حول هوية المؤسسة:

     ورد بيان هذه الحالة في المقطع الثاني من المادة من المادة 27 من القانون 04/02 سالفة الذكر، حيث أقحم المشرع ضمن الممارسات التجارية غير النزيهة: "تقليد العلامات المميزة لعون اقتصادي منافس أو تقليد منتوجاته أو خدماته أو الإشهار الذي يقوم به، قصد كسب زبائن هذا العون إليه بزرع شكوك و أوهام في ذهن لمستهلك." فيكون على هذا زرع الشك في ذهن المستهلك هو النقيض لتشويه سمعة العون الاقتصادي، و يتحقق من خلال قيام العون الاقتصادي بالظهور بمظهر العون الاقتصادي المنافس عن طريق تقليد علامته التجارية أو اسمه التجاري أو أي عنصر من عناصر الملكية الصناعية، و في هذا الصدد ينبغي التنبيه أن زرع الشكوك في ذهن المستهلك بهذا المفهوم من حيث مواجهته يختلف بالنظر إلى كون حقوق الملكية الصناعية مسجلة أو غير مسجلة، فإذا كانت هذه الحقوق مسجلة فإنها تحظى بحماية مضاعفة، حيث يمكن أن تكون محل دعويين مستقلتين: دعوى تقليد العلامة التجارية، و دعوى المنافسة غير المشروعة، أما إذا كانت العلامة غير مسجلة فال يستفيد العون الاقتصادي المتضرر إلى من دعوى المنافسة غير المشروعة.

3-  إحداث خلل في تنظيم المؤسسة المنافسة:

     ورد في المقطع 5 من المادة 27 سالفة الذكر ضمن حالات الممارسات التجارية غير النزيهة: "إحداث خلل في تنظيم عون اقتصادي منافس، و تحويل زبائنه باستعمال طرق غير نزيهة، كتبديد أو تخريب وسائله الإشهارية، و اختلاس البطاقيات أو الطلبيات، و السمسرة غير القانونية، و إحداث اضطراب بشبكته للبيع." و يستوي أن تترتب هذه الأعمال بشكل مقصود أو غير مقصود، إذ أن العبرة في ذلك بتأثيرها على القوة التجارية للمنافس بما قد ينشأ عنه تحويل للزبائن لكن بكيفية غير مشروعة، حيث أن الأصل أن الزبائن ليسوا ملكا لأحد، و أنهم يرتبطون بالمؤسسة الأكثر قدرة في لحظة معينة على جلبهم، غير أن جلب الزبائن بوسائل غير نزيهة هو الذي يكون محل حظر، حتى و إن كانت هذه الوسائل غير محددة بشكل دقيق، إلى أنه يمكن لنا تمييز أهمها:

أ‌-      جلب عمال المؤسسة المنافسة: لا ينبغي لحرية المنافسة أن تكون سببا لإلغاء حرية العمل بالنسبة للعمال، بحيث يمكنهم الانتقال إلى مناصب أخرى قد يمنحون فيها شروط عمل أفضل، و هو الأمر ذاته بالنسبة للمؤسسة المشغلة، بحيث تقوم بالبحث عن العمال المهرة لأجل تحسين مركزها التنافسي داخل السوق، غير أن استمالة عمال مرتبطين بمؤسسة منافسة بمقتضى شرط عدم منافسة هو ما يمكن أن يمثل شكلا من المنافسة غير المشروعة، كما أن التوظيف المكثف لعمال مصلحة معينة أو ورشة بذاتها تابعة لمؤسسة منافسة من شأنه التأثير على قدرة هذه الأخيرة داخل السوق، أو حتى الاكتفاء بتوجيه طلب لتشغيلهم، بما يعني إحداث خلل في نظامها، و إن كانت هذه المسألة تخضع في تقييمها لقضاة الموضوع من حيث تأثيرها على المساواة التنافسية على المؤسسات المتنافسة.

ب‌- إحداث خلل في نظام إنتاج مؤسسة منافسة: يتحقق الخلل في هذه الحالة من خلال استعمال عون اقتصادي لوسائل غير مشروعة لأجل الحصول على المعارف المهنية و طرق الصنع، و نظم الإنتاج لعون اقتصادي منافس عن طريق الحيلة ومثل القرصنة الصناعية، غير أن استعمال المعارف  المهنية و طرق الصنع، و نظم الإنتاج لا يمكن أن يكون سببا لرفع دعوى المنافسة غير المشروعة إذا تولى العون الاقتصادي المتضرر ذاته نشرها أو الإفصاح عنها و تعميمها، و الملاحظ في هذا الشأن أن المقصود في ذلك ليس حقوق الملكية الفكرية و الصناعية التي تحظى بحماية قانونية بفضل تسجيلها، حيث لا يتعلق الأمر في حال الاعتداء عليها بدعوى المنافسة المشروعة، و لكن بدعوى حماية حقوق الملكية الفكرية و الصناعية.  

4-  إحداث خلل في السوق بوجه عام:

   إن ما يميز إحداث الخلل في السوق بشكل عام عن إحداث الخلل في تنظيم مؤسسة منافسة، أنه في الحالة الأولى لا تكون الأفعال غير المشروعة التي يأتيها العون المسؤول عن الخلل موجهة لمؤسسة بعينها، على خلاف الحالة الأولى، و إنما يلحق الضرر كل المؤسسات داخل السوق، و هو الأمر المنصوص عليه بمقتضى المادة 27/7 من القانون المتضمن القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، حيث جاء فيها ضمن الممارسات التجارية غير النزيهة: "الإخلال بتنظيم السوق و إحداث اضطرابات فيها، بمخالفة القوانين و/أو المحظورات الشرعية، و على وجه الخصوص التهرب من الالتزامات و الشروط الضرورية لتكوين نشاط أو ممارسته و إقامته." و يتحقق هذا الوضع من خلال بعض الممارسات المحظورة قانونا، لاسيما تلك المنصوص عليها في المادة 19 من القانون السالف الذكر، و المتعلقة بإعادة بيع السلع بثمن أقل من سعر التكلفة الحقيقي المتضمن سعر الشراء و الرسوم و النقل، و الأمر ذاته بالنسبة للإشهار التجاري التضليلي حسب ما هو منظم في المادة 28 من ذات القانون، و على العموم يدخل ضمن نطاق الأعمال المخلة بتنظيم السوق كل الممارسات غير القانونية التي تكون الغاية منها تحويل غير مشروع للزبائن داخل السوق بما في ذلك التهرب الضريبي الذي من شأنه التأثير في مبدأ المساواة بين المؤسسات المتنافسة.

الفرع الثاني: دعوى المنافسة غير المشروعة: ما تجدر الإشارة إليه بالنسبة لدعوى المنافسة غير المشروعة هو تحديد طبيعتها القانونية من جهة، و من جهة ثانية شروط و إجراءات تحريكها.

1-  الطبيعة القانونية لدعوى المنافسة غير المشروعة:

   انقسم الفقه بصدد تحديد الطبيعة القانونية لدعوى المنافسة غير المشروعة فئتين، تعتقد أولاهما باستقلاليتها عن غيرها من الدعاوى، بينما تذهب الفئة الثانية إلى الاعتقاد بأنها شكل من دعوى المسؤولية التقصيرية.

أ‌-     دعوى المنافسة غير المشروعة دعوى مستقلة بذاتها: يقف الفقيهان الفرنسيان Roubier و  Ripert موقفا ينظر من خلاله إلى دعوى المنافسة غير المشروعة على أنها مستقلة بذاتها عن غيرها من الدعاوى، لاسيما دعوى المسؤولية التقصيرية، و مرد هذه الخصوصية الاعتقاد بأن غاية دعوى المنافسة غير المشروعة ليس جبر الضرر مثلما هو الحال بالنسبة لدعوى المسؤولية التقصيرية، و إنما استرجاع عنصر الزبائن باعتباره من ضمن عناصر المحل التجاري، و معاقبة المؤسسة المتنافسة عن الممارسات المتنافية مع نزاهة الممارسات التجارية، و الكف عنها.

ب‌- دعوى المنافسة غير المشروعة شكل من دعاوى المسؤولية التقصيرية: يذهب أنصار هذا الموقف، لاسيما الفقيه Blaise إلى أن ما يقوم عليه الموقف الأول قاصر بالنظر إلى أن عنصر الزبائن لا يمكن أن يكون مختلطا بالمحل التجاري، بل مجرد عنصر من عناصره، قابل للتغيير، بحيث لا يرتبط الزبائن به إلى ارتباطا مؤقتا، و إلى كان الأمر مدعاة لإلغاء المنافسة في ذاتها، حتى و إن كان القول بخصوصية دعوى المنافسة غير المشروعة جائز، لاسيما في ما يتعلق بارتباطها بالممارسات التجارية غير النزيهة، إلى أن هذه الخصوصية لا تكون مسوغا للقول باستقلاليتها عن دعوى المسؤولية التقصيرية، و هو الموقف الذي يدعمه القضاء الفرنسي الذي يخضع دعوى المنافسة غير المشروعة لنص المادة 1382 من القانون المدني المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية، حتى و إن تعامل مع هذا النوع من الدعاوى بمراعاة خصوصيتها.   

2-  شروط دعوى المنافسة غير المشروعة: يشترط موضوعيا لتحقق المنافسة غير المشروعة توافر شروط المسؤولية التقصيرية من خطأ و ضرر و علاقة سببية بينهما.

أ‌-     الخطأ: يتمثل الخطأ بالنسبة لدعوى المنافسة غير المشروعة في الممارسة غير النزيهة و المخالفة للأعراف التجارية، سواء كان مقصودا أو ناجما عن عدم حيطة و حذر، و عليه ينبغي التمييز في هذا الوضع بين دعوى المنافسة غير المشروعة، و القائمة على أساس المسؤولية التقصيرية، و دعوى عدم المنافسة المستندة إلى المسؤولية التعاقدية لارتباط عدم المنافسة باتفاق بين الطرفين.

ب‌- الضرر: يتمثل الضرر في فقدان العون الاقتصادي المتضرر لميزة اقتصادية جراء الخطأ الذي أتاه العون المسؤول،  مثل فقدانه جزء من عنصر الزبائن حوله العون المنافس لمصلحته بدون وجه حق، و الذي يترجم بانخفاض في رقم الأعمال، كما يمكن أن يتحقق الضرر من خلال حرمان العون الاقتصادي المتضرر من إمكانية رفع عدد الزبائن، الذي يؤدي بالضرورة إلى رفع رقم الأعمال، و هو ما يقابل في النظرية العامة تفويت الفرصة، على أن يكون ذلك محقق الحدوث، كما أن خصوصية دعوى المنافسة غير المشروعة قد تظهر في هذه الحالة بالنظر لتضمن القرار القضائي الكف عن المنافسة غير المشروعة، و لبس مجرد التعويض عن الضرر.

ت‌- علاقة السببية: بالرغم من صعوبة التثبت من علاقة السببية بين الخطأ و الضرر بمناسبة دعوى المنافسة غير المشروعة إلا أن القضاء بشكل عام يربط على الغالب بين تحقق شروط المنافسة غير المشروعة  و انخفاض رقم الأعمال، حتى و إن كان تقدير الضرر في هذا الوضع لا يخضع لمقياس محدد، حيث يمكن للقضاء الأخذ بمعيار انخفاض رقم الأعمال للعون المتضرر، أو يستند إلى الأرباح التي حققها العون المدين.                           

3-  تحريك دعوى المنافسة غير المشروعة:

   ينبغي التطرق بصدد تحريك دعوى المنافسة إلى مسائل ثلاث: من يحق له رفع دعوى المنافسة غير المشروعة، المحكمة المختصة بالنظر في دعوى المنافسة غير المشروعة، و مضمون القرار القضائي الصادر بصدد دعوى المنافسة غير المشروعة.

أ‌-      المدعي في دعوى المنافسة غير المشروعة: الأصل في الدعوى القضائية عموما أن يرفعها كل ذي مصلحة، و بخصوص دعوى المنافسة غير المشروعة فلا يتصور أن يتضرر من المنافسة غير المشروعة إلا العون الاقتصادي المتضرر، و الذي يهدف قانون المنافسة لحمايته، مثل أن يتعرض لتشويه سمعته من طرف عون اقتصادي منافس، على اعتبار أن تشويه سمعة عون منافس صورة من صور المنافسة غير المشروعة، إلا أنه لا يشترط في هذا الخصوص في المتضرر أن تتوفر فيه صفة التاجر، حيث تكون العبرة ممارسة نشاط اقتصادي مهما كانت طبيعته، فيدخل في هذا الإطار ممارسو المهن الحرفية على الرغم من عدم اكتسابهم صفة التاجر متى ثبت ارتباطهم بالسوق المعني، و تأثرهم اقتصاديا بممارسات العون الاقتصادي المنافس غير المشروعة تنافسيا، غير أنه لا يمكن للأشخاص غير المعنيين بالسوق محل المنافسة رفع دعوى المنافسة غير المشروعة، مثلما هو الشأن بالنسبة لعمال لأجراء العون الاقتصادي المتضرر، و الأمر ذاته بالنسبة لزبائن هذا الأخير، أو المستهلكين بوجه عام.

ب‌- المحكمة المختصة في نظر دعوى المنافسة غير المشروعة: الأصل بالنسبة للاختصاص القضائي بصدد دعوى المنافسة غير المشروعة أن ينعقد لمصلح.ة القسم التجاري بالمحكمة على اعتبار أنها المختصة في نظر المنازعات التجارية حسب نص المادة 531 من قانون الإجراءات المدنيـة و الإدارية، فالغالب على الأعوان الاقتصاديين أن تثبت لهم صفة التاجر، غير أن الاستثناء قد يتحقق في بعض الحالات التي يصح فيها رفع الدعوى من قبل شخص لا يكتسب صفة التاجر، مثل الحرفيين، أو الشركات المدنية، أو أصحاب المهن الحرة، حيث يؤول الاختصاص في هذه الحالة للقسم المدني.

 ت- مضمون القرارات القضائية: يمكن التمييز بصدد طبيعة القرارات القضائية الصادرة عن الجهات القضائية بشأن دعوى المنافسة غير المشروعة بين فئتين من الأحكام: إحداها تكتسي الطابع التعويضي على اعتبار الضرر الذي تكون المنافسة غير المشروعة، و باعتبارها شكلا من المسؤولية التقصيرية، قد سببته للعون الاقتصادي المنافس، كما يمكن للمحكمة المختصة أن تصدر أمرا بالكف عن السلوك الذي ينطوي على منافسة غير مشروعة، لاسيما من خلال إعمال نظام الغرامة التهديدية.

   المطلب الثالث: التطفل التجاري: Parasitisme commercial

   الفرع الأول: التعريف بالتطفل التجاري:

     يمكن أن يعرف التطفل التجاري بأنه مجموع الممارسات التي يتدخل من خلالها عون اقتصادي في نظام عون آخر، بغرض الحصول على المنافع الاقتصادية التي تحققها المهارات و المعارف المهنية التي استثمر و اجتهد العون الاقتصادي المتطفل عليه لأجل بلورتها و الانتفاع بها، من دون أن يسهم العون الاقتصادي المتطفل في هذا الاستثمار أو المجهود، بشرط ألا تكون هذه المهارات من بين الحقوق المحمية بنصوص قانونية خاصة، مثل براءات الاختراع، و حقوق الملكية الصناعية المسجلة، و من دون أن يكون العون الاقتصادي المتطفل منافسا للعون الاقتصادي المتطفل عليه، و إلى ألحق ذلك بنظام المنافسة غير المشروعة.

   حظر المشرع الجزائري التطفل التجاري بمقتضى المقطع 3 من المادة 27 من قانون القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، و التي جاء فيها من بين الممارسات التجارية غير النزيهة: "استغلال مهارة تقنية أو تجارية مميزة دون ترخيص أو موافقة من صاحبها."

   يأخذ في هذا الشأن التطفل التجاري عدة أشكال، من بينها استعمال علامة تجارية ذات سمعة داخل السوق، ثم اعتمادها بالنسبة لمنتج أو خدمة بالنسبة لسوق آخر، من ذلك ما تم إقراره بالنسبة من قبل قضاء النقض الفرنسي في ما أصبح يعرف بقضية Pontiac، حيث صنعت شركة مختصة في الأدوات الكهرومنزلية ثلاجات أطلقت عليها تسمية Pontiac و التي هي ذاتها التسمية التجارية لنوع من السيارات، و كان الحكم بعدم توافر شروط دعوى المنافسة غير المشروعة، على اعتبار عدم انتماء النشاطين الإنتاجيين للسوق ذاته، و لكن اعتبرت أن شركة المنتجات الكهرومنزلية قد مارست شكلا من التطفل التجاري، مكنها من الحصول على ميزات اقتصادية و تنافسية غير مبررة، لكن من دون إمكانية القول بتحويل عنصر الزبائن، على اعتبار عدم انتماء كلا العونين للسوق ذاته.

   كما يدخل ضمن التطفل التجاري استغلال حملة الإشهار أو حتى الصيغ الإشهارية من طرف أحد الأعوان الاقتصاديين، و اعتمادها في الترويج لمنتجات أو خدمات العون المتطفل، بدون ترخيص أو موافقة من العون الاقتصادي المتضرر.

   الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للمسؤولية عن التطفل التجاري:

   يمكن التمييز بصدد الطبيعة القانونية بين موقفين، يستند أولهما إلى فكرة الإثراء بلا سبب، أما الثاني فيعتقد بأن التطفل التجاري شكل من أشكال المسؤولية التقصيرية.

1-   التطفل التجاري إثراء بلا سبب: يذهب هذا الموقف من الفقه إلى الادعاء بأن التطفل التجاري هو إثراء بلا سبب، على أساس اغتناء الذمة المالية للمتطفل على حساب المتطفل عليه، غير أن هذا الموقف لا يمكن القول بصحته، على أساس عدم تحقق شروطه في حالة التطفل التجاري، إذ أن الإثراء بلا سبب لا يتحقق إلا بالنسبة للشخص حسن النية، و هو الأمر المستبعد بالنسبة للمتطفل، كما أن من شروط الإثراء بلا سبب وفقا للنظرية العامة، و مثلما هو وارد بالنسبة للقانون المدني الجزائري بمقتضى المادة 141 إغتناء للذمة المالية لأحد الطرفين، و إفقارا لذمة الطرف الآخر، و هو ما ليس ثابتا لزوما بالنسبة للتطفل التجاري، حيث لا يشترط تأثيره على الذمة المالية لأي من الطرفين حتى يثبت باعتباره ممارسة تجارية غير نزيهة، بغض النظر عن آثاره المالية، أو على الأقل آثاره المالية بالنسبة للمتطفل عليه.

2-   التطفل التجاري شكل من المسؤولية التقصيرية: يعتقد هذا الرأي بأن التطفل التجاري ما هو إلا تطبيق لأحكام المسؤولية التقصيرية، لاسيما و أنه لا يتحقق إلا باستيفاء جميع شروطها، و الظاهر أن هذا التبرير للمسؤولية عن التطفل التجاري هو الأقرب للصحة، حتى و إن كان من اللازم تكييفه مع الطبيعة الخاصة للممارسات التجارية عموما، و العلاقات التنافسية بين الأعوان الاقتصاديين على الأخص.

   الفرع الثالث: شروط تحقق المسؤولية عن التطفل التجاري:

   يشترط لتحقق المسؤولية عن التطفل التجاري ما يشترط بالنسبة لتحقق المسؤولية التقصيرية عموما، و على هذا الأساس يمكن التمييز في هذا الصدد بين ثلاث شروط:

1-   الخطأ: يتمثل الخطأ المستخلص من التطفل التجاري في التحويل غير المبرر لاستثمارات العون الاقتصادي المتضرر دون أن يكون هذا التحويل مبررا، لاسيما بالاتفاق أو القانون، و ذلك بغض النظر عن النية في الإضرار من جانب العون الاقتصادي المتطفل، على اعتبار أن التمتع بمجهودات الغير يشكل في حد ذاته خطا، و أن مقتضيات الأعراف و الممارسات التجارية النزيهة تقتضي أن تكون السمعة التجارية محصلة الاستثمارات المبذولة في سبيل ذلك، و ليس بالاستفادة غير المبررة من استثمارات و مجهودات الغير.

2-   الضرر: لا يمكننا الحديث بالنسبة للتطفل التجاري عن تحويل الزبائن باعتباره ضرر محتمل بالنسبة لهذا النوع من الممارسات، على اعتبار أن العونين الاقتصاديين المعنيين ليسا متنافسين، و إلا كنا أمام وضعية منافسة غير مشروعة و ليس تطفلا تجاريا، إلا أنه يمكن أن يكون الضرر الحاصل بالنسبة للعون الاقتصادي المتطفل عليه هو المساس بالمكانة التجارية للعلامة محل التطفل، مثلما أشارت إليه محكمة النقض الفرنسية في قرار يتعلق باستعمال أوشحة من علامة ذات سمعة تجارية معتبرة كجوائز يانصيب، مما عد تطفلا تجاريا مسيئا للعلامة محل التطفل، كما أن هذا الموقف من المحكمة الفرنسية لا يلغي احتمال أن يكون الضرر ماديا صرفا، لاسيما و أن الغالب في استعمال العلامة التجارية من قبل الغير أن يكون بمقابل.

3-   علاقة السببية: إن العلاقة السببية بين الخطأ من جانب المتطفل و الضرر الحاصل للعون المتطفل عليه يخضع عموما إلى الأحكام العامة، لاسيما بالنسبة لافتراضها عند تزامن الخطأ والضرر، و نفيها بالكيفيات ذاتها المقررة بالنسبة للنظرية العامة، حتى و إن أمكن إبراز خصوصية التطفل التجاري بالنسبة للأحكام العامة بالنظر لطبيعة عالم الأعمال، لاسيما فيما يتعلق بالأضرار غير المادية، مثل المساس بمكانة العلامة التجارية داخل السوق، حيث ينبغي في هذا الشأن التثبت من أن هذا المساس مرده الأعمال التطفلية، وليس اعتبارات أخرى مثل اهتزاز مكانة العلامة التجارية لاعتبارات مرتبطة بانتقاص في درجة جودة الخدمة أو المنتج، أو التقليل من العمليات الترويجية، أو حتى عدم مجاراة نسق التطور داخل السوق بالمقارنة مع الأعوان المنافسين الآخرين.

 

Partager cet article

commentaires

بن شيخ عبد الحق 18/02/2014

من فضلك يا استاذ انا طالب في ماستر قانون مؤسسة
و عنوان مذكرة التي اود تحضيرها "الالتزام بعدم المنافسة في القانون الجزائري
وليس عندي اي فكرة عن الموضوع
ارجو منك المساعدة

ميلود 22/02/2014

اعطاكم الله الصحة و ابحث عن مرجع او رسالة ل محمد الامير يوسف وهبة عنوانها صور المنافسة غير المشروعة و لكم منا الدعاء الصالح انشاء الله

عبدالله 02/03/2014

السلام عليكم أستاذ ،لقد اخدت بنصيحتك وزرت جامعة تيزي وزو ، قسنطينة ووجدت مذكرات قيمة ، ولكن المشكلة التي اواجهها الان عند بدايتي في تحرير المذكرة اني لم اجد تعريف للمنافسة غير المشروعة لا في التشريع ولا في الفقه في الجزائر

عبد الحق 22/03/2014

يا استاذي الفاضل ارجوا منك ان تساعدني
عنوان مذكرتي الالتزام بعدم المنافسة
وفي المقدمة ماهي النقاط التي اتحدث عنها
ارجوك لانني في حيرة و ليس عندي وقت والله

red rose 16/04/2014

اريد مساعدة في مذكرة عنوانها مجلس المنافسة الجزائري و صلاحيته